باب المندب وميون وسيادة الجنوب.. رسائل سياسية تتجاوز حدود الميدان

في تصريحات تحمل أبعادًا سياسية ووطنية تتجاوز حدود التطورات الميدانية، أعاد الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، تسليط الضوء على قضية الجنوب العربي، واضعًا مسألة السيادة على الأرض، والاعتراف بتضحيات أبناء الجنوب، ومستقبل قضيتهم الوطنية، في صدارة المشهد. وجاءت تصريحاته التي نقلتها سكاي نيوز عربية يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بشأن استعادة القوات الجنوبية السيطرة على مناطق في المضاربة وباب المندب وجزيرة ميون، لتفتح الباب أمام قراءة أوسع للرسائل التي أراد إيصالها في مرحلة تتشابك فيها الحسابات السياسية مع التطورات الأمنية والإقليمية.
ولم تتوقف أهمية التصريحات عند الحديث عن التطورات في المناطق الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية، بل امتدت إلى تأكيد أن التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب لا يمكن فصلها عن تطلعاتهم السياسية، وأن أي قراءة لمستقبل المنطقة يجب أن تأخذ في الحسبان إرادة الجنوبيين وموقفهم من قضيتهم الوطنية. وبذلك، بدا الخطاب متمحورًا حول معادلة واضحة في نظر القيادة الجنوبية: إن ما تحقق على الأرض يجب أن ينعكس على موقع الجنوب في أي ترتيبات سياسية مقبلة، وألا تتحول الإنجازات الميدانية إلى مكاسب لأطراف أخرى لا تعبّر عن تطلعات أبنائه.
باب المندب وميون.. الجغرافيا تتحول إلى رسالة سياسية
يحمل التركيز على باب المندب وجزيرة ميون دلالة تتجاوز البعد الجغرافي؛ فهذه المنطقة تقع في قلب أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية، وترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن وحركة الملاحة العالمية. ومن هنا، فإن الحديث عن دور القوات الجنوبية في هذه المناطق يضع الجنوب في قلب معادلة الأمن البحري الإقليمي، ويعيد طرح سؤال العلاقة بين من يتحمل مسؤولية حماية الأرض والممرات الحيوية، ومن يمتلك القرار السياسي المتعلق بمستقبلها.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة تصريحات الرئيس الزُبيدي باعتبارها تأكيدًا على أن الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية على هامش الصراعات، بل طرف حاضر في معادلات الأمن والاستقرار، وأن أي مقاربة إقليمية أو دولية تتناول مستقبل المنطقة لا يمكنها تجاهل القوى المحلية الموجودة على الأرض أو تجاوز مطالب السكان الذين يرتبط مستقبلهم بهذه التحولات.
غير أن أهمية هذه المناطق تفرض، في الوقت نفسه، مسؤولية كبيرة تتمثل في حماية المدنيين، وصون المصالح العامة، وضمان أمن الملاحة وفق القواعد والقوانين الدولية، بما يجعل الاستقرار المستدام مكسبًا للجنوب والمنطقة والعالم.
التضحيات الجنوبية.. لماذا على السيادة؟
من أبرز الرسائل التي نقلتها التصريحات تشديد الرئيس الزُبيدي على أن الشعب في الجنوب دفع ثمنًا باهظًا من دماء أبنائه في سبيل الحرية والسيادة على أرضه، إلى جانب رفضه أن تُنسب انتصارات القوات الجنوبية إلى شعارات أو مشاريع لا تعبّر عن واقع الجنوب وتطلعات شعبه.
وتكشف هذه الرسالة عن جوهر الخلاف السياسي حول هوية الإنجازات الميدانية والجهة التي يحق لها تمثيلها سياسيًا. فبالنسبة إلى أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي، لا تُقاس أهمية ما تحقق على الأرض بالمكاسب الأمنية وحدها، بل بمدى انعكاسه على الاعتراف بالقضية الجنوبية ومكانتها في أي تسوية مستقبلية.
ومن هذا المنطلق، تبدو مسألة السيادة في الخطاب السياسي الجنوبي مرتبطة بثلاثة أبعاد متداخلة: حماية الأرض، وصون التضحيات، وضمان ألا تُستبعد قضية الجنوب من القرارات التي تحدد مستقبل المنطقة. وهي أبعاد تجعل التصريحات أبعد من مجرد إعلان عن تطور ميداني، وتمنحها طابعًا سياسيًا يرتبط بمسار القضية الجنوبية برمتها.
كما أن التأكيد على التضحيات يحمل رسالة إلى القوى السياسية المختلفة مفادها أن تجاهل المطالب الجنوبية أو التعامل معها باعتبارها ملفًا ثانويًا قد يعقّد فرص الوصول إلى تسوية مستقرة وشاملة. فالتسويات التي تتجاوز القضايا الجوهرية للأطراف المعنية قد تنجح في ترتيب تفاهمات مؤقتة، لكنها تظل معرضة للاهتزاز ما لم تستند إلى معالجة سياسية واضحة وعادلة.