دماء الشهداء والسيادة.. رسائل الرئيس عيدروس الزُبيدي بشأن مستقبل الجنوب

بقلم: صالح حقروص
لم تعد التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب مجرد صفحات في سجل المواجهات العسكرية، بل أصبحت، في الخطاب السياسي الجنوبي، عنوانًا لقضية ترتبط بالهوية والسيادة وتطلعات الشعب إلى تقرير مستقبله. ومن هذا المنطلق، تأتي تصريحات الرئيس عيدروس الزُبيدي بشأن استعادة القوات الجنوبية سيطرتها على مناطق المضاربة وباب المندب وجزيرة ميون، لتسلط الضوء على العلاقة بين الإنجاز العسكري والمشروع السياسي الذي يطرحه المجلس الانتقالي الجنوبي.
تحمل هذه التصريحات رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية؛ إذ تربط بين السيطرة الميدانية وبين ما يصفه الزُبيدي بحق الجنوب في الحرية والسيادة على أرضه. فالمواقع الاستراتيجية، وفي مقدمتها باب المندب وجزيرة ميون، تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي ودورها في معادلات الأمن والملاحة، الأمر الذي يجعل التطورات فيها محل اهتمام يتجاوز النطاق المحلي.
لكن الرسالة الأبرز في حديث الزُبيدي تتمثل في تأكيده أن شعب الجنوب دفع ثمنًا باهظًا من دماء أبنائه، وأن هذه التضحيات لا ينبغي أن تُفصل عن الأهداف التي قاتل من أجلها الجنوبيون. وهنا تبرز معادلة جوهرية في الخطاب السياسي الجنوبي: هل تتحول التضحيات العسكرية إلى مكاسب سياسية تعبّر عن تطلعات أصحابها، أم تبقى نتائجها رهينة التفاهمات والتوازنات التي تفرضها المرحلة؟
إن تأكيد الزُبيدي رفضه ما وصفه بسرقة انتصارات القوات الجنوبية تحت شعارات لا تعبّر عن واقع الجنوب وشعبه، يعكس حساسية متزايدة تجاه مسألة تمثيل القضية الجنوبية وموقعها في أي ترتيبات سياسية أو أمنية قادمة. فالمعركة، لا تتعلق فقط بمن يسيطر على الأرض، بل أيضًا بمن يمتلك حق تحديد مستقبلها، وبمدى انعكاس التضحيات على القرارات التي تمس حياة الناس وتطلعاتهم.
ومع ذلك، فإن الحفاظ على أي مكاسب ميدانية لا يتحقق بالخطاب السياسي وحده، بل يتطلب إدارة مسؤولة، ومؤسسات فاعلة، وتماسكًا داخليًا، وقدرة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى واقع من الأمن والاستقرار والخدمات. كما أن أي مشروع سياسي يطمح إلى تمثيل تطلعات شعب لا بد أن يستند إلى إرادة شعبية واضحة، وآليات سياسية تضمن التعبير عنها، وتتعامل مع تعقيدات الواقع المحلي والإقليمي.
أما دماء الشهداء، التي جعلها الزُبيدي محور رسالته، فتبقى مسؤولية أخلاقية وسياسية قبل أن تكون شعارًا تعبويًا. فوفاء المجتمعات لتضحيات أبنائها لا يقتصر على استحضار ذكراهم، وإنما يمتد إلى حماية المدنيين، وصون الحقوق، وبناء مؤسسات قادرة على تحقيق تطلعات الناس في حياة كريمة وآمنة.
إن تطلعات الشعب الجنوبي نحو استعادة دولته المستقلة، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وعاصمتها عدن، تمثل محورًا أساسيًا في رؤيته لمستقبله السياسي. وتحقيق هذه التطلعات يظل مرتبطًا بوضوح المشروع الوطني، وقدرته على التعبير عن الإرادة الشعبية، وبناء مؤسسات الدولة المنشودة، والتعامل مع المتغيرات السياسية والإقليمية بما يحفظ مصالح الجنوب وحقوق شعبه.
وفي المحصلة، فإن تصريحات الرئيس عيدروس الزُبيدي تعيد طرح القضية الأكثر أهمية في هذه المرحلة: كيف تنتقل التضحيات من ميادين المواجهة إلى واقع سياسي يحقق تطلعات الشعب الجنوبي؟ وكيف تتحول الإنجازات الميدانية إلى خطوات عملية على طريق استعادة الدولة وترسيخ السيادة؟
إن الإجابة لا تصنعها الكلمات وحدها، بل تصنعها الإرادة، ووحدة الصف، والعمل السياسي المسؤول، والقدرة على تحويل الأهداف الوطنية إلى مشروع واضح المعالم والوسائل.
فالجنوب الذي قدّم الشهداء من أجل الحرية والكرامة، يتطلع إلى أن تكون تضحياتهم جسرًا نحو استعادة دولته، وأن تكون عدن عاصمةً لدولة تعبّر عن إرادة شعبها، وتصون هويته، وتحفظ حقوقه، وتمنح أجياله القادمة مستقبلًا يليق بحجم ما قدمه من تضحيات.