اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

صراحة من أجل الجنوب: من يحمي القضية.. ومن يفتّتها؟

صالح حقروص

تعوّدنا أن نكون صريحين من أجل الوطن؛ صراحةً لا تجامل ولا تخفي، لأنها الطريق إلى استعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن. والحقيقة يجب أن تُقال كما هي؛ فعدوّك ليس من قال لك الحقيقة، بل من أخفاها عنك حتى وقعت.

*بوادر لا تكفي*

صحيح أن هناك بوادر إيجابية قد تكون في مصلحة الجنوب: تقارب سعودي–إماراتي، وتحسّن علاقات بعد زيارة نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان إلى السعودية ولقائه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الرياض. وقد يعيد هذا التقارب ترتيب المشهد، كما أن عودة الإمارات إلى الجنوب العربي باتت فرضًا واقعيًا على السعودية. لكن قبل الانشغال بالبوادر، لا بد من مناقشة صلب الموضوع، وجذر المشكلة التي كانت سببًا في كل ما حدث.

*جذر المشكلة: صراع النفوذ*

أساس المشكلة ليس في عدن، ولا في الضالع، ولا في أي محافظة جنوبية أخرى. أساس المشكلة هو الصراع على النفوذ بين السعودية والإمارات: من سيكون صاحب اليد الطولى في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة؟

فرغم أن السعودية هي الضامن لاتفاق الرياض المبرم بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي في نوفمبر 2019، فقد عملت على عرقلة النص الذي ينص على إخراج القوات الشمالية المتواجدة في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة، ونقلها إلى محافظة مأرب لمحاربة الحوثي وتحرير العاصمة صنعاء، وعلى أن تُستبدل بالقوات المسلحة الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.

لكن السعودية تعارض ذلك وترفضه، لا لشيء إلا لأنها ترى أن القوات المسلحة الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي هي قوات أنشأتها الإمارات وموالية لها، وأن نشر تلك القوات في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة سيفقد السعودية نفوذها في هذه المحافظات، وسيكون لصالح الإمارات.

*الالتفاف على اتفاق الرياض*

لذلك عملت السعودية على تحريض قوات الإخوان المتواجدة في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة على رفض الخروج من تلك المحافظات، إلا بشرط أن تُسلّم مواقعها لقوات جنوبية موالية للسعودية وليست موالية للإمارات، في محاولة للالتفاف على اتفاق الرياض الذي ينص على نشر القوات المسلحة الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة لإدارة شؤونها الأمنية والعسكرية.

ومن أجل إنجاح عملية الالتفاف تلك، أنشأت السعودية قوات درع الوطن الجنوبية لهذا الغرض، وهي قوات موالية لها.

*ست سنوات من العرقلة*

هذا الالتفاف تسبب في عرقلة نشر القوات المسلحة الجنوبية في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة لأكثر من ست سنوات. بل إن السعودية، بعد إنشاء قوات درع الوطن الجنوبية الموالية لها، رفضت قوات الإخوان الخروج من محافظتي حضرموت والمهرة. أما محافظة شبوة فقد تم تحريرها من مليشيات الإخوان في عام 2022.

ونتيجة لذلك، أعطت السعودية الضوء الأخضر للقوات المسلحة الجنوبية لإخراج القوات الشمالية المتواجدة في محافظتي حضرموت والمهرة بالقوة، وهو ما حدث في نهاية شهر ديسمبر من عام 2025.

*بعد النجاح: طلب غير منطقي*

بعد أن نجحت القوات المسلحة الجنوبية في تحقيق ما عجزت عنه السعودية على مدى أكثر من ست سنوات، رغم أنها الضامن لاتفاق الرياض، فوجئت القوات المسلحة الجنوبية بأن السعودية تطلب منها الخروج من محافظتي حضرموت والمهرة، وتسليم إدارة الأمن والاستقرار فيها إلى قوات درع الوطن الجنوبية الموالية للسعودية.

وهو ما قوبل بالرفض من الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي. ومن أجل حل الخلاف والمشكلة، قبل الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي مشاركة قوات درع الوطن الجنوبية الموالية للسعودية، على أن يتم نشرها على الشريط الصحراوي للحدود مع السعودية ومنفذ الوديعة.

*معسكر الخشعة: العقدة الكبرى*

إلا أن خلافًا كبيرًا اندلع بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي حول معسكر الخشعة، اللواء 37 مدرع سابقًا، وهو موقع لا تقتصر أهميته على البعد العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل:
– احتواءه على منشآت وآبار نفطية.
– كشف شبكات تهريب ونهب منظم.
– وجود عشرات محطات التكرير غير القانونية.

وقد برزت هذه المعطيات بوضوح بعد سيطرة القوات الجنوبية على المعسكر، وهو ما دفعها إلى رفض تسليمه. وإصرار السعودية على استلام المعسكر، رغم عدم تهديده لأمنها القومي، يأتي لدوافع سياسية واقتصادية، من بينها منع كشف المزيد من الملفات المرتبطة بنهب الثروات النفطية.

*التصعيد العسكري*

ومع فشل الضغوط السياسية، تم اللجوء إلى الخيار العسكري، حيث تعرضت القوات المسلحة الجنوبية لقصف من قبل الطيران السعودي، أسفر عن مقتل مئات الجنود. ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، بل تم إخراج الإمارات من الجنوب العربي، والانتقام من الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي.

*الخطر القادم: تقسيم الصف الجنوبي*

هل صار الولاء يُقسَّم على الخريطة؟ وهل بات على الجنوبيين الذين يتولّون إدارة شؤون حضرموت وشبوة والمهرة أن يكونوا موالين للسعودية، فيما يكون نظراؤهم في بقية المحافظات الجنوبية موالين للإمارات؟

بعد حلّ الخلاف السعودي–الإماراتي، ومع اقتراب عودة الإمارات إلى الجنوب، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الخلاف، يبرز خطرٌ أكبر من مجرّد تقاسم النفوذ بين الرياض وأبوظبي؛ إنه خطر انقسام المجلس الانتقالي الجنوبي إلى مجلسين:
– مجلس انتقالي موالٍ للسعودية في حضرموت وشبوة والمهرة.
– ومجلس انتقالي موالٍ للإمارات في بقية المحافظات الجنوبية.

وهذا هو الهدف المنشود ذاته: إضعاف الجنوب، وتفكيك وحدة صفه.

فالخطر الأكبر لم يعد في تقاسم النفوذ الخارجي فقط، بل في تحوّل الصف الجنوبي الواحد إلى صفوفٍ متقابلة، تُمزّق الجنوب من داخله قبل أن يُمزّقه الآخرون.

*الخلاصة*

إن الخطر اليوم لا يكمن في خصم معلن فقط، بل في سياسة تقاسم النفوذ التي قد تفتّت البيت الجنوبي من الداخل. والحفاظ على وحدة الصف الجنوبي، ووضوح الموقف، وعدم السماح بتحويل قضية الجنوب إلى ساحة صراع إقليمي، هو الطريق الأقرب لاستعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن.

*خاتمة: الحقيقة التي لا تُخفى.. والتحدي الذي لا يُهزم*

يا شعب الجنوب، هذه هي الحقيقة التي لا يجوز إخفاؤها: إن الخطر لم يكن يومًا في وجهٍ واحد، بل في أيادٍ تتقاسم النفوذ فوق أرضك، وفي ولاءاتٍ تتنازع صفّك. ومن يخفي عن شعبه حقيقة ما يجري بحجة حمايته، إنما يسلّمه إلى التيه، ويؤجّل وعيه إلى وقتٍ لا ينفع فيه الندم.

والتحديات القادمة ليست سهلة: صراع نفوذٍ إقليمي، ومحاولات تفكيك المجلس الانتقالي، وضرب وحدة الصف، ونهب الثروات، وإرباك الأولويات بين تحرير الأرض وبناء الدولة. لكن أعظم تحدٍّ هو أن يبقى الجنوبي على قلب رجل واحد؛ لا تفرّقه الولاءات، ولا تشتريه الأجندات، ولا تخيفه سياسة الأمر الواقع.

فإما أن نكون صفًا واحدًا خلف قضية واحدة، وإما أن نكون قطعًا تلتقطها الأيادي من هنا وهناك.

وعدن، التي حملت اسم الجنوب، لا تُستعاد بعقلين وولاءين، بل بقلبٍ واحدٍ وموقفٍ واحدٍ لا يخفي الحقيقة ولا يبيع القضية.

فلنقل الحقيقة مهما كانت قاسية، ولنحفظ الوحدة الجنوبية مهما كانت التحديات؛ فما ضاع وطنٌ إلا حين تفرّق أهله، وما قام وطنٌ إلا حين اجتمعوا على كلمةٍ سواء.

زر الذهاب إلى الأعلى