بن لغبر: من يفهم الجنوب يعرف هذه الحقيقة

صلاح بن لغبر
ليس في السياسة عدو دائم ولا صديق دائم، هذا صحيح.
لكنها ليست قاعدة تُستخدم لمحو الدماء والحقوق والذاكرة وتحويل المعتدي إلى صديق بكبسة زر، أو بشراء ذمم البعض لتجميل قبحه وهو لا يزال يمارس أسباب العداء نفسها.
نحن لا نريد معاداة أحد، وليس من مصلحة الجنوب أن يعادي أحدا. نريد علاقات محترمة مع الجميع، ونفهم أن السياسة مصالح ومرونة وتسويات، وأن خصومات الأمس يمكن أن تنتهي.
لكن الخصومات تنتهي عندما تنتهي أسبابها، لا عندما يُطلب من الضحية وحدها أن تنسى.
ماذا سيكتب التاريخ حين يقال أنهم جيل صُفع وغُدر ثم رضخ وركع؟ لا والله لن يكتبها.
شعب الجنوب أثبت صدقه وحسن نيته بالفعل لا بالكلام. قاتل وضحّى، وقدّم الدم والرجال، ووقف مع حلفائه بصدق، والتزم بما تعهد به، ولم يغدر بأحد. ومع ذلك كان المقابل إقصاء وغدرا ومحاولات لإضعاف قضيته وتفكيك صفه، وشراء الولاءات وفرض الوصاية عليه.
ثم يأتي من يحدث هذا الشعب عن «مرونة السياسة» وكأن المطلوب منه أن يعتبر كل ذلك أمرا عابرا ويمضي صاغرا.
لا والله ما كانت ولن تكون.. إلا الكرامة والدماء.
لا، المرونة ليست استسلاما، والمصلحة ليست إذلالا، والتسوية ليست قبولا بالهيمنة.
إذا كانت هناك رغبة في فتح صفحة جديدة، فصفحات الشعوب لا تُفتح بالشعارات؛ بل بوقف الضرر، واحترام إرادتها وقضيتها، وتصحيح الأخطاء، ومعالجة آثار الدم والغدر، وبناء علاقة ندية تحفظ للجميع كرامتهم والاعتذار الصريح بعيدا عن الغطرسة والوصاية.
الدفاع عن الكرامة والتضحيات والقضية ليس صناعة للعداوات؛ بل مسؤولية تجاه من ضحوا وتجاه الأجيال القادمة.
فالجنوب ليس شعبا يبحث عن الخصومة، لكنه شعب كريم عزيز النفس، يعرف قدره ولا يقبل أن يُستصغر. ولهذا قاوم كلما فُرض عليه الخضوع، ودفع أثمانا باهظة ولم يرضخ.
من يفهم الجنوب يعرف هذه الحقيقة: تستطيع أن تكسبه بالاحترام، أما إخضاعه فلم ينجح فيه أحد ولن ينجح أحد.