من ”إدارة“ إلى ”ضبط“.. كيف غيّرت ”عدن الغد“ معنى تقرير فايننشال تايمز؟

النقابي الجنوبي/خاص
لم تكتفِ ”عدن الغد“ بنقل تقرير فايننشال تايمز عن التقارب السعودي الإماراتي، بل أعادت صياغة أهم نقطة فيه بطريقة غيّرت دلالتها، وحوّلت رأيًا منسوبًا إلى محلل سعودي إلى موقف يبدو وكأنه صادر عن الرياض مباشرة.
العنوان الذي نشرته الصحيفة يقول: ”فايننشال تايمز: الرياض تريد من أبوظبي ضبط الفصائل الجنوبية ومنع إضعاف جبهة مواجهة الحوثيين“.
لكن هذا ليس ما تقوله العبارة الأصلية في فايننشال تايمز بهذه الصيغة.
الصحيفة البريطانية نقلت عن المحلل السعودي علي الشهابي، الذي وصفته بأنه مطلع على طريقة تفكير الرياض، قوله إن الرياض تريد من الإماراتيين ”إدارة الفصائل الجنوبية“ بما لا يقوض الجبهة المناهضة للحوثيين. أي أن الكلام هنا قراءة لموقف الرياض من جانب محلل، وليس تصريحًا سعوديًا رسميًا ولا بيانًا صادرًا عن الحكومة السعودية.
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة في معالجة ”عدن الغد“.
فالصحيفة لم تكتفِ بإسقاط نسبة الرأي إلى صاحبه، بل غيّرت الكلمة المحورية نفسها: ”إدارة“ أصبحت ”ضبطًا“.
وهذا ليس تفصيلًا لغويًا بريئًا.
”إدارة الفصائل الجنوبية“ تتحدث عن التعامل معها ضمن المشهد اليمني، بينما ”ضبط الفصائل الجنوبية“ تنقل العبارة إلى دلالة أكثر حدّة، وتضع هذه القوى في موقع الطرف الذي يفترض أن يخضع للضبط.
بهذه الصياغة، يصبح القارئ أمام رواية مختلفة عن تلك التي نقلتها فايننشال تايمز.
والأخطر أن ”عدن الغد“ تعرف أن العبارة ليست تصريحًا لمسؤول سعودي؛ فهي نفسها تعود داخل متن الخبر إلى ذكر أن فايننشال تايمز ”نقلت عن المحلل السعودي علي الشهابي“ ما قاله بشأن رغبة الرياض في أن تدير أبوظبي علاقتها بالفصائل الجنوبية.
أي أن الفرق بين العنوان والمتن ظاهر داخل المادة نفسها.
في المتن: محلل سعودي يتحدث عن ما تريده الرياض.
وفي العنوان: ”الرياض تريد“.
وفي النص الأصلي: ”إدارة الفصائل الجنوبية“.
وفي عنوان ”عدن الغد“: ”ضبط الفصائل الجنوبية“.
هذه ليست مجرد إعادة ترتيب للجملة، بل إعادة بناء للرسالة التي تصل إلى القارئ.
واللافت أن الصياغة الجديدة تضع القوات الجنوبية في موقع الطرف المستهدف بالضبط، بينما يغيب عن العنوان الجزء الذي يفسر لماذا أصبحت هذه القوات أصلًا جزءًا من الحسابات السعودية الإماراتية.
فتقرير فايننشال تايمز يتحدث عن مساعي الرياض وأبوظبي لاستعادة مستوى أكبر من التنسيق بشأن اليمن، في ظل تصاعد التهديد الحوثي، وينقل عن الشهابي أن الدور الذي تريده الرياض من أبوظبي يرتبط بالتعامل مع الفصائل الجنوبية بما يمنع إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين.
وهذا يعني أن القوى الجنوبية تظهر في التقرير باعتبارها عنصرًا حاضرًا في حسابات التنسيق الإقليمي، لا مجرد مجموعات هامشية يمكن اختزال دورها في كلمة ”ضبط“.
لكن ”عدن الغد“ اختارت من كل هذه الصورة عبارة أكثر حدة تجاه الجنوب، ثم وضعتها في العنوان باعتبارها خلاصة التقرير.
وهنا يصبح السؤال الصحفي مشروعًا: لماذا جرى اختيار ”ضبط“ بدل ”إدارة“؟ ولماذا جرى تقديم كلام محلل على أنه رغبة مباشرة للرياض؟
لا تحتاج الإجابة إلى افتراض النوايا؛ فالنص المنشور نفسه يكشف الفارق.
المشكلة إذن ليست أن ”عدن الغد“ نقلت مضمونًا سياسيًا حساسًا، بل أنها أعادت تشكيله بطريقة تجعل الرسالة الموجهة إلى القارئ أكثر سلبية تجاه الفصائل الجنوبية مما تظهره الصياغة الأصلية في فايننشال تايمز.
ومن حق القارئ، قبل أن يبني موقفه من القوات الجنوبية أو من علاقتها بأبوظبي والرياض، أن يعرف بدقة ماذا قالت فايننشال تايمز، وماذا أضافت ”عدن الغد“ في عنوانها من صياغة لا ترد بهذه الصورة في المصدر الأصلي.
وهذا ما يجعل عنوانها محل مساءلة تحريرية واضحة: المصدر قال ”إدارة“، وهي كتبت ”ضبط“؛ والمصدر نسب الفكرة إلى محلل، وهي قدمتها في العنوان بصيغة ”الرياض تريد“.
حين يتغير الفاعل وتتغير الكلمة الأكثر تأثيرًا في الجملة، لا يعود الأمر مجرد نقل خبر؛ بل يصبح إعادة صياغة لمعنى الخبر نفسه.
ومن هنا، فإن المسألة لا تتعلق بخلاف على مفردة، بل بالطريقة التي جرى بها توجيه قراءة التقرير: رأي محلل قُدّم كأنه موقف رسمي، وعبارة ”إدارة“ استُبدلت بعبارة ”ضبط“، والنتيجة عنوان يقدّم القوات الجنوبية باعتبارها طرفًا مستهدفًا بالضبط، وهي دلالة لا ترد بهذه الصيغة في المصدر الأصلي.