اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

##شرعية الشعارات تتهاوى.. والقوات المسلحة الجنوبية هي كلمة الفصل في الميدان

فاطمة اليزيدي

تفتح فاطمة اليزيدي النار على واقعٍ لم يعد يحتمل المزيد من التجميل، وتضع النقاط فوق الحروف في مشهدٍ طالما حاولت فيه الشعارات أن تتقدم على الحقائق، والبيانات أن تتصدر على حساب الميدان.

ففي زمن الحرب لا قيمة لشرعيةٍ لا تمتلك أدوات القوة، ولا معنى لخطابٍ سياسيٍّ لا يجد له صدىً على الأرض. الميدان وحده يفرز الحقائق، وهناك تحديدًا يسقط بريق الشعارات، وتظهر حقيقة من يملك القدرة على المواجهة ومن لا يملك سوى الكلمات.

وحين نتحدث عن الجنوب، فإن الحديث عن المعركة ضد الحوثيين لا يمكن أن ينفصل عن القوات المسلحة الجنوبية التي حضرت في خطوط المواجهة وتحملت جانبًا كبيرًا من أعباء القتال والدفاع، ودفعت من دماء رجالها ثمنًا باهظًا في سنوات الحرب.

لهذا فإن اختزال المشهد في عنوان «الشرعية» وحده لا يعكس كل تفاصيل الواقع العسكري على الأرض. فالشرعية السياسية شيء، والقوة العسكرية الفعلية شيء آخر، ومن الخطأ أن تختلط العناوين بالميدان حتى يصبح صاحب الشعار هو صاحب الانتصار، بينما يُهمَّش من كان في الصف الأول.

القوات المسلحة الجنوبية ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه كلما حان وقت الحديث عن الانتصارات. حضورها في الجبهات، وتضحيات أفرادها، ودورها في الدفاع عن مناطق جنوبية، كلها أمور جعلت منها طرفًا حاضرًا في المعادلة العسكرية، لا مجرد اسمٍ عابر في بيانات الحرب.

أما شرعية الشعارات، فمهما ارتفع صوتها، فإنها لا تستطيع وحدها أن توقف صاروخًا، ولا أن تحمي موقعًا، ولا أن تدير جبهةً، ولا أن تصنع انتصارًا. السياسة تحتاج إلى قوةٍ تحميها، والقوة تحتاج إلى قرارٍ مسؤول، وأي محاولة لبناء المجد على حساب من يقاتل في الميدان لن تصمد طويلًا أمام ذاكرة الناس.

الجنوب يعرف هذه الحقيقة جيدًا.

يعرف من كان حاضرًا عندما كانت الجبهات مشتعلة، ويعرف من تحمل المسؤولية عندما كانت الخيارات صعبة، ويعرف أن البيانات لا تستطيع أن تمحو مشاهد المعارك ولا أن تلغي تضحيات الرجال.

ولذلك لم يعد مقبولًا أن تُنسب الإنجازات العسكرية بصورةٍ انتقائية، أو أن تتحول تضحيات القوات الجنوبية إلى هامشٍ صغير في روايةٍ سياسيةٍ واسعة. من حق من يقاتل أن يُذكر، ومن حق من ضحى أن يُنصف، ومن حق الأرض التي دافعت عنها قواتها أن تُروى قصتها كما عاشها أهلها، لا كما يريد الآخرون صياغتها.

المشكلة ليست في الاسم، ولا في الشعار، ولا في البيانات. المشكلة تبدأ عندما يصبح الشعار بديلًا عن الفعل، وعندما يحاول الخطاب السياسي أن يحتكر إنجازًا لم يصنعه وحده.

وهنا تكون كلمة الميدان هي الأقوى.

ففي الميدان لا تنفع المبالغة، ولا تنفع الدعاية، ولا تستطيع الكلمات أن تخفي الحقيقة طويلًا. هناك يُعرف صاحب الحضور، وهناك تُعرف قيمة القوة، وهناك يصبح لكل تضحية اسم ولكل موقف ثمن.

ومن أراد أن يتحدث عن الانتصارات، فليتحدث أولًا عن الرجال الذين وقفوا في وجه الخطر. ومن أراد أن يتصدر المشهد، فليتذكر أن المشهد لم يُصنع في المكاتب، بل في الجبهات، حيث كانت حياة المقاتلين على المحك.

لقد سئم الجنوب من أن تتحول تضحياته إلى مادةٍ للاستهلاك السياسي، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يصمت عندما يُعاد رسم المشهد بعيدًا عن الحقيقة. الجنوب يريد خطابًا صريحًا، يعترف بمن قاتل، ويحترم من ضحى، ولا يساوي بين من كان في الميدان ومن اكتفى بالكلام عنه.

إنها ليست معركة شعارات، بل معركة حقائق.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بلا خوف هي أن أي قوةٍ سياسيةٍ لا تستند إلى واقعٍ عسكري وميداني حقيقي ستظل محدودة القدرة مهما ارتفع سقف خطابها. أما القوات التي تثبت حضورها على الأرض، فإن تجاهلها لا يلغيها، وتهميش دورها لا يمحو أثرها.

لهذا تفتح فاطمة اليزيدي النار، لا بحثًا عن ضجيجٍ جديد، بل لكسر جدار الصمت الذي جعل كثيرًا من الحقائق تُقال همسًا، بينما تُرفع الشعارات بصوتٍ عالٍ.

وفي النهاية، ستبقى الأرض هي الشاهد، والميدان هو الحكم على الادعاءات، والتضحيات هي الحقيقة التي لا تستطيع البيانات تغييرها.

فالشرعية التي لا تتحول إلى قوةٍ حقيقية على الأرض تبقى عنوانًا سياسيًا، أما من يقف في الصف الأول ويتحمل ثمن المواجهة، فهو الذي يثبت حضوره بالفعل لا بالكلام. وفي الجنوب، مهما ارتفعت الشعارات، ستظل كلمة الميدان أعلى من الجميع

زر الذهاب إلى الأعلى