اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

لن يطوي الزمن قضيةً تسكن القلوب

عدن /كتب/فاطمة اليزيدي:

ليست كل القضايا ابنةَ لحظة، ولا كل المواقف وليدةَ ظرف. هناك قضايا تولد من عمق الذاكرة، وتكبر مع الأيام، وتصبح جزءًا من وجدان أصحابها حتى يغدو التفريط بها أشبه بالتخلي عن جزءٍ من ذواتهم. وقضية الجنوب واحدةٌ من تلك القضايا التي لم يصنعها منشور، ولم تُبقها موجةٌ عابرة، بل حملتها ذاكرة الناس وظلت حاضرةً في وجدانهم رغم تعاقب السنوات وتبدل الظروف.

الجنوب بالنسبة لي ليس مجرد جغرافيا تُحدّدها الحدود، ولا اسمًا يُذكر في نشرات الأخبار ثم يُنسى. الجنوب أرضٌ وهويةٌ وذاكرة، ومدنٌ ووجوهٌ وحكايات، وانتماءٌ لا أحتاج إلى تبريره كلما تحدثت عنه. وحين أقول إن الجنوب قضيتي، فأنا لا أبحث عن خصومةٍ مع أحد، بل أعبّر عن انتماءٍ أراه جزءًا أصيلًا من هويتي، وعن تطلعٍ أرى أن من حق أصحابه أن يُسمع ويُناقش بجدية.

ولأن الطريق طويل، حاول البعض أن يراهن على الزمن. وكأن مرور السنوات قادرٌ وحده على إسقاط القضايا من الذاكرة، أو تحويل القناعات إلى رماد. لكن الزمن لا يمحو كل شيء. هناك أشياء يغيّرها، وأشياء يكشفها، وأشياء أخرى يزيدها رسوخًا. وما ارتبط بالهوية والذاكرة لا يسقط بمجرد أن عقارب الساعة واصلت دورانها.

قد يتغير الخطاب، وقد تختلف الوسائل، وقد تتعدد الرؤى بين أبناء القضية الواحدة، وهذا أمرٌ طبيعي في المجتمعات التي تبحث عن مستقبلها. لكن الاختلاف في التفاصيل لا يعني أن الذاكرة يجب أن تُمحى، ولا أن الانتماء يجب أن يصبح موضع اعتذار، ولا أن قضية الجنوب ينبغي أن تُختزل في صورةٍ واحدة أو موقفٍ واحد.

أنا لا أؤمن بأن قوة القضية تقاس بارتفاع الصوت. القوة الحقيقية أن تعرف ماذا تريد، وأن تعرف لماذا تؤمن به، وأن تظل قادرًا على حمل موقفك بوعيٍ وكرامة حتى عندما يصبح الطريق أكثر تعقيدًا. ولهذا اخترت أن يكون انتمائي للجنوب واضحًا دون أن يكون عدائيًا، وثابتًا دون أن يكون متعصبًا، وصريحًا دون أن يتحول إلى إساءةٍ للآخرين.

فالجنوب الذي أحبه لا يحتاج إلى أن أكره من لا يتفق معي، وقضيتي لا تحتاج إلى أن أحول كل اختلافٍ إلى عداوة. أستطيع أن أتمسك بهويتي، وأن أدافع عن قناعتي، وأن أطالب بأن يكون لصوت أبناء الجنوب مكانه، وفي الوقت نفسه أظل متمسكةً بأخلاقي واحترامي للإنسان.

وهنا تكمن قيمة الثبات الحقيقي؛ أن تستطيع أن تحمل قضيةً كبيرة دون أن تسمح لها بأن تنتزع منك إنسانيتك، وأن تبقى واضحًا دون أن تتحول إلى خصمٍ للجميع، وأن تقول ما تؤمن به دون أن تجعل الكراهية لغةً وحيدة.

لقد مر الجنوب بمحطاتٍ كثيرة، وتراكمت في ذاكرته تفاصيل لا يمكن تجاهلها. ولهذا فإن الحديث عنه ليس حديثًا عن الماضي وحده، بل عن حاضرٍ ومستقبلٍ أيضًا. وما يريده أبناء الجنوب، وما يختلفون حوله، وما يتفقون عليه، يستحق أن يُسمع بعيدًا عن التسطيح والتجاهل.

أنا لا أدّعي امتلاك كل الإجابات، ولا أزعم أن الطريق بسيط. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: القضايا التي تسكن الوجدان لا تُدفن بالأمنيات، ولا تختفي بالتجاهل، ولا تموت لأن البعض تعب من سماعها.

قد تهدأ الأصوات، لكن الذاكرة لا تهدأ بالضرورة.

وقد يقل الكلام، لكن القناعة لا تقل بالضرورة.

وقد تتغير الوجوه، لكن الانتماء لا يتغير لمجرد أن الوجوه تغيرت.

ولهذا فإنني حين أقول «الجنوب قضيتي»، لا أقولها بحثًا عن معركةٍ جديدة، بل أقولها لأنني أرفض أن يكون انتمائي شيئًا أخجل منه أو أتنصل منه حين تتبدل الظروف.

لن يطوي الزمن قضيةً تسكن القلوب. ولن تستطيع السنوات أن تجعل الإنسان غريبًا عن ذاكرته. قد يهدأ الجنوب في الكلام، لكنه لا يغيب عن الوجدان؛ وقد تتغير أدوات التعبير، لكن الحق في أن تُسمع قضيته وتُحترم تطلعات أبنائه يبقى حاضرًا.

سنمضي في الحياة، نبتسم، ونحلم، ونكبر، وتتغير تفاصيل كثيرة من حولنا، لكن هناك أسماء لا تشيخ، وذكريات لا تموت، وانتماءات لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت وجودها. والجنوب واحدٌ منها.

فليأخذ الزمن مداه… وليغيّر ما يشاء. أما ما سكن القلب بصدق، فلا يطويه زمن، ولا تمحوه الأيام.

زر الذهاب إلى الأعلى