سنوات من الانتظار.. المسرّحون الجنوبيون بين راتبٍ متقطع وتسويةٍ مؤجلة: من المسؤول عن إبقاء جراح ثلاثة عقود من المعاناة

لم تعد قضية المسرّحين الجنوبيين قسرًا مجرد ملف إداري عالق بين مكاتب الوزارات واللجان الحكومية، بل تحولت بالنسبة لآلاف الأسر إلى قضية معيشية وإنسانية تمتد آثارها من انقطاع الراتب وتأخر التسويات إلى فقدان سنوات من الخدمة والحقوق الوظيفية.
ثلاثة عقود تقريبًا مرت على بدايات هذه القضية، ومع ذلك لا يزال بعض المشمولين بملفات المعالجة ينتظرون راتبًا منتظمًا أو تسوية مالية أو صرف مستحقات متأخرة. وبينما صدرت قرارات وإجراءات حكومية خلال السنوات الأخيرة لمعالجة جانب من الملف، فإن استمرار الشكاوى من التأخير وعدم انتظام الصرف يكشف أن الانتقال من القرار إلى التنفيذ الكامل ما زال يواجه تعقيدات كبيرة.
وفي أحدث تطور، أعلنت رئاسة مجلس التنسيق الأعلى للمسرحين قسرًا، في سبتمبر/أيلول 2026، قرب صرف مرتبات وعلاوات للمبعدين المدنيين الذين تمت تسوية مرتباتهم، مشيرة إلى أن الصرف سيجري على دفعات تشمل أشهرًا متأخرة. وهذا الإعلان، بحد ذاته، يعكس أن جزءًا من المشكلة لا يزال مرتبطًا بالمتأخرات وانتظام الصرف حتى بعد إنجاز التسويات لبعض المستفيدين.
من أين بدأت الحكاية؟
ترتبط قضية المسرّحين والمبعدين الجنوبيين بشكل أساسي بالتداعيات التي أعقبت حرب صيف 1994، والتي شهدت إحالة أعداد كبيرة من العسكريين والأمنيين والمدنيين الجنوبيين إلى التقاعد أو إبعادهم عن وظائفهم.
وعلى مدى سنوات، ظل هذا الملف واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الجنوب، وارتبط بمطالب بإعادة الحقوق الوظيفية والمالية، وتسوية الرتب والمعاشات، وصرف المتأخرات والتعويضات.
وتشير تقارير عن مسار القضية إلى أن قرارات المعالجة اللاحقة استهدفت عشرات الآلاف من العسكريين والأمنيين، إضافة إلى أكثر من 16 ألفًا من المبعدين عن الوظائف المدنية، ضمن إجراءات لمعالجة أوضاعهم الوظيفية والمالية.
لكن صدور القرارات لم يكن نهاية القصة.
فالمشكلة التي يواجهها كثير من المسرّحين اليوم ليست فقط: هل صدر قرار بإنصافنا؟
بل أصبحت أيضًا:
متى يُنفذ القرار؟ ومن يضمن استمرار الراتب؟ ومتى تُصرف المتأخرات؟ ومتى تُستكمل التسويات لمن لم تشملهم؟
راتب يصل متأخرًا.. أو لا يصل
الراتب بالنسبة للمسرّح ليس مجرد رقم في كشف مالي.
إنه مصدر دخل أساسي لأسرة انتظرت سنوات طويلة حتى تتم معالجة وضع رب الأسرة.
ولهذا فإن عدم انتظام الصرف يضاعف المشكلة؛ فالمستفيد الذي قضى سنوات في انتظار تسوية وضعه قد يجد نفسه، بعد صدور التسوية، أمام مشكلة جديدة تتمثل في تأخر الراتب أو صرفه بصورة غير منتظمة.
وفي فبراير/شباط 2026، أصدر مجلس التنسيق الأعلى للمسرحين قسرًا نداءً حذر فيه من استمرار تأخير المرتبات والتسويات، وقال إن الظروف المعيشية للمستفيدين صعبة ولا تحتمل مزيدًا من التأجيل والمماطلة، مطالبًا بسرعة صرف المرتبات واستكمال التسويات، ولا سيما للمدنيين.
هذه المطالب لا تعني بالضرورة أن جميع المسرحين يواجهون الظروف نفسها؛ فهناك من أُنجزت معاملته، وهناك من استفاد من التسوية، وهناك من لا يزال ملفه قيد المتابعة.
لكن استمرار صدور بيانات المطالبة بالصرف واستكمال التسويات يدل على أن المعالجة لم تصل إلى مرحلة الإغلاق الكامل للملف.
أرقام كبيرة.. واحتياجات أكبر
في تصريحات سابقة مرتبطة بملف تسوية المدنيين، جرى الحديث عن اعتماد مالي لمعالجة أوضاع نحو 16 ألف متظلم، بينهم نحو 9 آلاف منقطعين و7 آلاف ممن أحيلوا إلى التقاعد المبكر، وفق ما نشره مجلس التنسيق آنذاك.
كما شهد ملف العسكريين والأمنيين إجراءات لصرف التسويات والرواتب، وجرى الإعلان في 2025 عن تسليم بعض المستفيدين مستحقات التسوية إلى جانب الراتب الشهري.
لكن وجود أرقام وقرارات واعتمادات مالية لا يعني تلقائيًا أن كل مستفيد حصل فعليًا على جميع حقوقه في الوقت المحدد.
وهنا تظهر الفجوة الأساسية:
فجوة بين القرار والتنفيذ.
من المسؤول؟
هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا.
والإجابة الدقيقة لا ينبغي أن تختزل المسؤولية في شخص واحد أو وزارة واحدة؛ لأن الملف، بحسب طبيعة الإجراءات المعلنة، يتداخل فيه أكثر من طرف حكومي ولجنة وجهة مالية وإدارية.
هناك جهات مرتبطة بالخدمة المدنية، ووزارة المالية، والجهات العسكرية والأمنية بالنسبة للملفات التابعة لها، إضافة إلى اللجان الرئاسية والجهات التي تتولى إعداد الكشوفات والتدقيق واعتماد التسويات.
وفي ورشة ناقشت قضية المبعدين الجنوبيين قسرًا عام 2022، شارك ممثلون عن عدد من الوزارات والجهات الحكومية، بينما أشار التقرير إلى عدم حضور جهات أخرى دُعيت للمشاركة، من بينها البنك المركزي ووزارة حقوق الإنسان ووزارة الخدمة المدنية ووزارة المالية. وطالب المشاركون حينها بتنفيذ قرارات معالجة المبعدين وصرف الرواتب والمستحقات بأثر رجعي.
وهذا يعني أن تحديد المسؤولية يحتاج إلى التفريق بين مراحل مختلفة:
من المسؤول عن إصدار القرار؟
من المسؤول عن تدقيق الأسماء والبيانات؟
من المسؤول عن توفير التعزيز المالي؟
من المسؤول عن إصدار أوامر الصرف؟
ومن المسؤول عن ضمان وصول الراتب بصورة منتظمة إلى المستفيد؟
صحيح انها ليست جهة واحدة اتحمل كل المسؤولية دون تحديد المرحلة التي حدث فيها التعطيل قد يحول القضية إلى سجال سياسي، بينما المطلوب هو تحديد موضع الخلل الإداري والمالي بدقة.
الحكومة أمام اختبار التنفيذ
المسؤولية الأكبر تقع في النهاية على عاتق مؤسسات الدولة المعنية بتنفيذ القرارات التي صدرت لمعالجة الملف.
فإذا صدر قرار رسمي بتسوية وضع مواطن، فإن القيمة الحقيقية للقرار تظهر عند تطبيقه على أرض الواقع.
أما بقاء القرار في الملفات أو الجداول أو المراسلات، مع استمرار معاناة المستفيد، فيعني أن المعالجة بقيت ناقصة.
ومن هنا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:
هل توجد قرارات لمعالجة قضية المسرّحين؟
بل:
كم قرارًا نُفذ بالكامل؟ وكم مستفيدًا حصل على كامل مستحقاته؟ وكم شخصًا ما زال ينتظر؟ وما أسباب التأخير؟
هذه أسئلة قابلة للقياس ويمكن أن تنقل القضية من الخطاب العام إلى المساءلة المؤسسية.
وزارة الخدمة المدنية: أين وصلت المعالجة؟
في ديسمبر/كانون الأول 2024، نشرت تقارير نقلاً عن مصدر في وزارة الخدمة المدنية والتأمينات توضيحات بشأن مستحقات المبعدين المدنيين قسرًا، في أعقاب مطالبات مجلس التنسيق الأعلى. وهذا يعكس وجود متابعة رسمية للملف، لكنه يكشف في الوقت ذاته أن آلية الصرف والتسوية كانت لا تزال محل نقاش ومتابعة.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، أعلن رئيس مجلس التنسيق الأعلى أن لقاءً مع وزير الخدمة المدنية تناول استمرار دفع المرتبات واستكمال المتأخرات، مع حديث عن صرف دفعات جديدة للمشمولين بقرارات التسوية.
وبالتالي، فإن الحديث عن “إهمال” قد لايكون مبالغا فيه
قد يكون جزء من المشكلة تأخرًا إداريًا، وقد يرتبط جزء آخر بالتمويل أو البيانات أو الإجراءات المالية، وقد تكون هناك ملفات لم تستكمل شروطها بعد.
لكن النتيجة بالنسبة للمواطن واحدة:
راتب غير منتظم ومستحقات لم تصل في موعدها.
ثلاثون عامًا من الانتظار.. ثمن لا يظهر في كشوف المرتبات
هناك جانب آخر من القضية لا يظهر في الأرقام.
المسرّح الذي خرج من وظيفته في سن مبكرة لم يخسر فقط راتبه في تلك اللحظة، بل خسر سنوات من الاستقرار الوظيفي، وربما فرص الترقية والتقاعد الطبيعي، وتأثرت أسرته بمستوى دخل أقل لسنوات.
ولهذا فإن قضية التسوية لا تتعلق فقط بتعديل رقم الراتب.
إنها تتعلق بالسؤال الأوسع عن كيفية معالجة آثار سنوات طويلة من الإقصاء الوظيفي.
وقد خلصت ورشة حقوقية عقدت في عدن إلى توصيات تضمنت تنفيذ قرارات معالجة المبعدين، وصرف الرواتب والمستحقات بأثر رجعي، وتوفير الدعم للجنة الرئاسية المكلفة بالملف حتى تتمكن من استكمال مهامها.
هل انتهت القضية؟
المؤشرات الحالية تقول إن الإجابة ليست بعد.
ففي حين حصلت شرائح من العسكريين والأمنيين والمدنيين على تسويات وصرفيات خلال السنوات الأخيرة، ما تزال بيانات ومطالبات حديثة تتحدث عن متأخرات ودفعات لم تُصرف واستكمال تسويات لمستفيدين آخرين.
وهنا يجب الحذر من وضع جميع المسرّحين في سلة واحدة.
فالملف أصبح متعدد الحالات:
أشخاص تمت تسوية أوضاعهم ويطالبون بانتظام الراتب.
أشخاص حصلوا على جزء من مستحقاتهم وينتظرون المتأخرات.
أشخاص لم تكتمل تسوياتهم.
أشخاص توجد مشكلات في بياناتهم أو كشوفاتهم.
وأسر تنتظر حسم ملفات أصحابها منذ سنوات.
المطلوب: كشف حساب لا وعود جديدة
إذا كانت الدولة جادة في إغلاق هذا الملف، فإن الخطوة الأهم ليست إصدار بيان جديد، وإنما تقديم كشف حساب واضح وشفاف.
كشف يوضح:
عدد المشمولين بقرارات التسوية.
عدد من استلموا مستحقاتهم كاملة.
عدد من استلموا جزءًا منها.
إجمالي المتأخرات المستحقة.
الجهات التي ما زالت لديها ملفات قيد المراجعة.
أسباب تأخر كل ملف.
المبالغ التي تم اعتمادها والمبالغ التي تم صرفها فعليًا.
جدول زمني معلن لاستكمال بقية الحالات.
مثل هذا الكشف سيضع حدًا للتضارب في المعلومات، ويمنح المسرّحين حقهم في معرفة أين وصلت معاملاتهم، بدل أن يبقى المواطن مضطرًا إلى مراجعة المكاتب واللجان بحثًا عن معلومة.
من المسؤول عن المعاناة؟
السؤال الأدق ليس: من المسؤول سياسيًا فقط؟
بل:
أين تتوقف المعاملة؟
إذا كانت المعاملة مكتملة ولا يوجد اعتماد مالي، فالمسؤولية تقع في جانب التمويل.
وإذا كان التمويل موجودًا ولم يصدر أمر الصرف، فالمسؤولية إدارية.
وإذا صدر أمر الصرف ولم يصل الراتب، فهناك خلل في مرحلة التنفيذ المالي.
وإذا كان الاسم غير موجود أو البيانات ناقصة، فالمطلوب تحديد الجهة المسؤولة عن التدقيق والمعالجة.
أما إبقاء الملف في دائرة عامة من الوعود والتطمينات، من دون بيانات معلنة عن أعداد المستفيدين والمبالغ والمراحل المتبقية، فيجعل من الصعب على الرأي العام معرفة الطرف الذي ينبغي مساءلته.
قضية حقوق قبل أن تكون قضية أرقام
المسرّحون الجنوبيون لا يطالبون، في جوهر القضية، بامتياز خاص؛ وإنما يطالبون بتسوية أوضاع ترتبت على قرارات وإجراءات اتخذتها مؤسسات الدولة بحقهم.
ولهذا فإن التعامل مع القضية باعتبارها مجرد ملف رواتب يقلل من حجمها الحقيقي.
إنها قضية حقوق وظيفية ومالية، وقضية إنصاف لجيل قضى سنوات طويلة في انتظار معالجة وضعه.
وفي الوقت ذاته، فإن إنصاف هذه الفئة يتطلب حلولًا مؤسسية واضحة، لا تحويل القضية إلى مادة للمزايدات أو المناكفات السياسية.
الخلاصة: القرار وحده لا يكفي
بعد أكثر من ثلاثة عقود على بداية المأساة، لم يعد مقبولًا أن تكون الإجابة الوحيدة للمسرّح:
“ملفك قيد المتابعة.”
المطلوب أن يعرف كل مستفيد:
ما الذي يستحقه؟
كم صُرف له؟
كم تبقى له؟
من الجهة التي تحتفظ بمعاملته؟
ومتى سيحصل على حقه؟
فالعدالة الإدارية لا تتحقق بمجرد الاعتراف بالمشكلة، ولا بإصدار قرار لمعالجتها، وإنما تكتمل عندما يتحول القرار إلى حق يصل إلى صاحبه في موعده.
وبينما أعلنت الجهات المعنية خلال السنوات الأخيرة عن خطوات مهمة في طريق التسوية، فإن استمرار المطالبات في 2026 بشأن الرواتب والمتأخرات واستكمال المعالجة يؤكد أن الملف لم يُغلق بصورة نهائية بعد.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة رسمية واضحة:
إذا كانت الدولة قد أقرت بحقوق المسرّحين، فلماذا لا يحصل جميع المستحقين عليها بصورة كاملة ومنتظمة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال، بالأرقام والوثائق والجداول الزمنية، هي وحدها القادرة على إنهاء سنوات من الانتظار وتحويل قضية المسرّحين من ملف مفتوح إلى قضية حقوق أُغلقت بالإنصاف والتنفيذ.