الضالع تستحق الجامعة.. واختيار قيادتها كان استحقاقًا موفقًا

بقلم: د. أمين العلياني
حين تُكتب سيرة المدن التي أنهكها الرصاص، وأضناها الانتظار، وأتعبها أن يُنظر إليها بعين المواساة لا بعين الإنصاف، فإن الضالع تتصدَّر تلك المدن بلا منازع؛ فهي التي قدَّمت من دمائها ما لم تقدِّمه حواضر كبرى، وسالت أوديتها حزنًا وألمًا، وظلَّت جبالها الشمّ تختزن في صخورها حكايات بطولة لا تُروى في الكتب، بل تُحفظ في صدور الأمهات اللواتي ودَّعن أبناءهنَّ إلى المجد ولم ينتظرن عودتهم إلا أكفانًا تليق بمن حملوا وطنًا على أكتافهم ومضوا.
لقد آن للضالع أن تتنفَّس العلم، وأن تودِّع البارود، وأن ترى التنمية رأي العين بعد أن ظلَّت لعقودٍ حبيسةَ الجغرافيا القاسية، وأسيرةَ الإهمال الممنهج، وضحيةَ الحروب المتوالية التي جعلت من كل بيتٍ فيها روايةً دامية، ومن كل جدارٍ شاهدًا على صمودٍ قلَّ نظيره؛ فليس في الضالع بيتٌ إلا وقد دفع من أبنائه شهيدًا أو جريحًا أو مفقودًا، ومع ذلك ظلَّت هذه المحافظة العزيزة وفيَّةً لعهدها مع الوطن، لم تساوم يومًا على كرامتها، ولم تمدَّ يدها إلا بالحق، ولم ترفع صوتها إلا بالمطالبة المشروعة في أن تكون شريكةً في البناء لا وقودًا في أتون المعارك.
ومن هنا، حين صدر قرار إنشاء جامعة الضالع، لم يكن ذلك القرار مجرَّد إجراءٍ إداري يُضاف إلى سجلِّ الإجراءات، بل كان اعترافًا ضمنيًّا من الدولة بأن هذه المحافظة التي قدَّمت كل شيء تستحق أن تُمنَح شيئًا واحدًا فقط: أن تتعلَّم؛ أن يقرأ أبناؤها في كتبٍ لا في فوهات البنادق، وأن يكتبوا مستقبلهم بأقلامٍ لا بدماء، وأن يبنوا صروحًا من علمٍ لا خنادق من تراب. وكان السؤال الذي شغل الجميع بعد صدور القرار: من يقود هذه الجامعة؟ ومن يحمل راية العلم في أرضٍ تعوَّدت رايات النصر؟ فجاء الجواب سريعًا مدوِّيًا كأنما كان القدر ينتظر اللحظة المناسبة ليضع الرجل المناسب في المكان المناسب: البروفيسور عبد الفتاح الشعيبي.
لم يكن اختيار الشعيبي رئيسًا لجامعة الضالع اختيارًا عابرًا، ولا قرارًا مستهلكًا من تلك القرارات التي تُتَّخذ في الغرف المغلقة بعيدًا عن نبض الناس؛ بل كان اختيارًا ينمُّ عن وعيٍ عميق بمعنى القيادة الأكاديمية، وعن إدراكٍ رفيع بأن الجامعة في محافظةٍ كالضالع تحتاج إلى من يجمع بين الصرامة العلمية والمرونة الإدارية، وبين الرصانة الأكاديمية والقدرة على استيعاب المجتمع، وبين الخبرة المتراكمة والحيوية التي لا تنضب. وقد اجتمعت هذه الخصال كلها في رجلٍ عرفته الساحة العلمية والاجتماعية قبل أن تعرفه المناصب؛ فالبروفيسور الشعيبي ليس طارئًا على المشهد، ولا دخيلًا على البيئة، بل هو ابن هذه الأرض الطيبة، نشأ وترعرع في أحضانها، وتشرَّب قيمها الأصيلة، فتعلَّم منها حبَّ العمل والإخلاص فيه، والنشاط الذي لا يكلّ ولا يملّ، والتواضع الجمّ الذي يليق بالعلماء الكبار.
ولعلَّ ما زاد هذا الاختيار قوةً ورسوخًا هو الإجماع المجتمعي النادر الذي حظي به الرجل؛ فما إن أُعلن قرار تعيينه حتى توالت البيانات المباركة، وتتابعت التصريحات المرحِّبة، وتوحَّدت الكلمة على أن الضالع قد انتصرت أخيرًا في معركةٍ من نوعٍ آخر: معركة بناء الإنسان. وليس هذا الإجماع مصادفةً عابرة، بل هو ثمرة طبيعية لسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء، ومسيرةٍ أكاديميةٍ مشرقة، وشخصيةٍ كارزميةٍ تملك من الجاذبية والتأثير ما يجعل الناس يلتفُّون حولها بلا تكلُّفٍ ولا تزيُّد؛ فالرجل معروفٌ بنزاهته، مشهودٌ له بشفافيته، مضروبٌ به المثل في أخلاقه التي تعكس القيم الاجتماعية الأصيلة التي نشأ عليها، وتعلَّم منها أن يكون الإنسان قبل أن يكون المسؤول، وأن يبقى العالمُ إنسانًا قبل أن يكون لقبًا يُكتب على بطاقةٍ تعريفية.
وإذا كانت الضالع قد انتصرت باختيار الشعيبي رئيسًا لجامعتها، فإن الجامعة أيضًا قد انتصرت به؛ فهو الذي بدأ مسيرته في القيادة الأكاديمية بخطواتٍ مدروسةٍ وواثقة، فاختار نوابَه وفريق عملِه بعين الخبير الذي يعرف أن النجاح لا يُصنع فردًا، بل يُبنى جماعةً متناغمةً تسير على هدي رؤيةٍ واضحة، وتعمل بروح الفريق الواحد، وتؤمن بأن الجامعة ليست مجرد مبانٍ وقاعات، بل مشروعًا حضاريًّا متكاملًا ينبغي أن ينهض على أسسٍ علميةٍ راسخة، وقيمٍ أخلاقيةٍ ثابتة، وعلاقاتٍ مجتمعيةٍ متينة.
ولقد قلتُ قبل أيامٍ لمحافظ الضالع، القائد المناضل الذي جاء من ميدان القتال ليحمل لواء البناء، معالي الفريق أحمد القبَّه: “أبا نافع، لقد آن الأوان للضالع أن تتنفَّس العلم والتنمية، وقد كان اختيارُك قرارًا موفقًا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وحظي بالإجماع المجتمعي والتأكيد السياسي والمباركة الشعبية”. ولم يكن هذا القول مجاملةً دبلوماسية، بل كان تعبيرًا صادقًا عن قناعةٍ راسخة بأن التحوُّل التاريخي الذي تعيشه الضالع اليوم لا يمكن أن يكتمل إلا بتضافر ثلاث قوى: قيادةٍ سياسيةٍ تؤمن بالتنمية كما تؤمن بالدفاع، وقيادةٍ أكاديميةٍ تملك الكفاءة والرؤية، ومجتمعٍ ملتفٍّ حول مشروعه الوطني، حاضرٍ بدمائه وأبنائه، ماضٍ في طريقه نحو المستقبل بثقة الواثقين.
إن إنشاء جامعة الضالع، واختيار البروفيسور عبد الفتاح الشعيبي رئيسًا لها، ليس مجرَّد حدثٍ عابرٍ في تاريخ المحافظة، بل هو لحظة تأسيسٍ فارقة، تشبه لحظة وضع حجر الأساس لصرحٍ علميٍّ كبير، ستُبنى على أكتافه أجيالٌ كاملة، وستُروى في قاعاته حكاية محافظةٍ ظنَّها البعض يومًا مجرد جبهة قتال، فإذا هي منارة علمٍ وحضارة، وإذا هي تردُّ على كل الذين حاولوا اختزالها في صورة البندقية بأنها قبل البندقية كانت وستظل قبلةً للعلماء والأدباء والمفكرين.
وختامًا، فإن ما تحتاجه جامعة الضالع اليوم من الجميع، حكومةً ومجتمعًا وأكاديميين، هو أن تُمنَح الفرصة كاملةً لتحقيق رؤيتها، وأن يُترَك الرجل الذي اختير لقيادتها يعمل بعيدًا عن المناكفات والمصالح الضيقة، وأن تُسخَّر الإمكانات لتحقيق الحلم الذي طال انتظاره؛ فالضالع التي قدَّمت آلاف الشهداء تستحق اليوم آلاف الخريجين، والتي دفعت أثمانًا باهظةً من دماء أبنائها تستحق أن تجني ثمار العلم والتنمية، والتي صبرت طويلًا على ويلات الحرب تستحق أن تفرح أخيرًا بولادات النور من رحم المعاناة. وما اختيار البروفيسور الشعيبي إلا البداية الصحيحة لطريقٍ طويل، وما تلك الإشادة الواسعة التي حظي بها إلا دليلٌ على أن الناس ما زالت تعرف قدر الرجال، وتفرِّق بين من يعمل بصمتٍ فيأتي عمله صارخًا بالنجاح، ومن يثرثر كثيرًا فيأتي فعله هزيلًا لا يغني ولا يسمن من جوع. فلتمضِ جامعة الضالع في طريقها بقيادة رجلها الموفَّق، ولتشهد الجبال الشوامخ من حولها أن العلم أقوى من الرصاص، وأن البناء أبقى من الهدم، وأن الضالع التي علَّمت العالم معنى الصمود قادرةٌ على أن تعلِّمه أيضًا معنى النهضة.