#منى_احمد: الوحدة بين القوة ومحو الذاكرة

#منى_احمد
لا تقتصر نظرية ما بعد الاستعمار على دراسة الاحتلال الأجنبي بوصفه مرحلة تاريخية انتهت، بل تهتم بكيفية استمرار الهيمنة من خلال المعرفة والخطاب السياسي وفرض رواية واحدة عن التاريخ والهوية والشرعية. فالقوة، وفقًا لهذه النظرية، لا تُمارَس بالسلاح والمؤسسات وحدهما، وإنما أيضًا عبر تحديد ما يجوز تذكّره، ومن يملك حق الكلام، وأيّ الروايات تُمنح الشرعية وأيّها يجري تهميشها.
تنطلق النظرية من أن كثيرًا من المفاهيم السياسية السائدة تشكّل تاريخيًا تحت تأثير الاستعمار والمركزية الأوروبية. وقد ساهمت هذه المفاهيم في تصنيف الشعوب والدول، وتقديم بعض التجارب بوصفها النموذج الطبيعي والشرعي، مقابل التقليل من قيمة تجارب أخرى أو إنكار قدرتها على إنتاج المعرفة وصياغة مستقبلها السياسي.
ومن أهم المفاهيم التي تقدمها نظرية ما بعد الاستعمار مفهوما «المحو» و«الإسكات». فالمحو يعني تهميش تاريخ جماعة سياسية أو إعادة صياغته بما يخدم الطرف المهيمن، بينما يعني الإسكات حرمان هذه الجماعة من القدرة على تقديم روايتها والتعبير عن مطالبها باعتبارها فاعلًا سياسيًا يمتلك الإرادة والقدرة على التأثير.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة الوحدة بين الجنوب والشمال في اليمن، وما أعقبها من حرب عام 1994. فقد دخل الجنوب الوحدة عام 1990 باعتباره دولة مستقلة ذات سيادة ومؤسسات وحدود وهوية سياسية معروفة، وليس باعتباره إقليمًا تابعًا جرى ضمه إلى دولة قائمة. وبذلك كانت الوحدة في أصلها اتفاقًا سياسيًا طوعيًا بين دولتين، يفترض أن يقوم على الشراكة والتوازن.
لكن الأزمات السياسية التي أعقبت إعلان الوحدة، ثم اندلاع حرب 1994 وعدم قبول إعلان فك الارتباط، أدت، من منظور جنوبي، إلى تغيير طبيعة العلاقة. فبعد هزيمة الجنوب عسكريًا، لم تعد الوحدة قائمة على التوافق المتبادل بالمعنى الذي بدأت به، بل أصبحت واقعًا سياسيًا حافظ عليه ميزان القوة ونتائج الحرب.
لا يتعلق الأمر هنا بالخلاف حول تسمية الوحدة فقط، بل بالطريقة التي كُتب بها التاريخ بعدها. فقد طُرحت الوحدة باعتبارها حقيقة نهائية لا يجوز مراجعتها، بينما جرى تهميش حقيقة أن الجنوب كان دولة مستقلة قبل عام 1990، وأن دخوله الوحدة تم من خلال اتفاق بين دولتين. وهنا يظهر مفهوم «المحو»، حين يُختزل التاريخ الجنوبي أو يُعاد تقديمه باعتباره مجرد مرحلة إدارية داخل تاريخ دولة واحدة، بدل الاعتراف به كتجربة سياسية مستقلة.
أما «الإسكات»، فيظهر عندما تُهمّش المظالم الجنوبية أو تُستبعد من النقاش السياسي، وعندما تُصوَّر مطالب استعادة الدولة أو فك الارتباط باعتبارها خروجًا على الشرعية، من دون مناقشة الظروف التي أفرزت هذه المطالب. كما يظهر حين يُنظر إلى الجنوبيين باعتبارهم موضوعًا لقرارات الآخرين، لا جماعة سياسية تمتلك تاريخًا وذاكرة وإرادة وحقًا في التعبير عن مستقبلها.
لا تعني الفاعلية السياسية، في هذا السياق، مجرد المشاركة الرمزية في المؤسسات، بل قدرة الجماعة على تعريف نفسها، ورواية تاريخها، وصياغة مطالبها، والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات التي تحدد مصيرها. ولذلك فإن إنكار الفاعلية الجنوبية أو اختزالها في أصوات فردية مؤيدة للوضع القائم يمكن أن يُفهم بوصفه استمرارًا لعملية الإسكات.
وتساعد النظرية الديكولونيالية على الانتقال من تشخيص هذه المشكلة إلى التفكير في معالجتها. فإذا كانت نظرية ما بعد الاستعمار تكشف آليات الهيمنة والمحو، فإن الديكولونيالية تدعو إلى استعادة الأصوات المهمشة، وتصحيح الرواية التاريخية، وإعادة بناء العلاقات السياسية على أساس أكثر عدلًا ومساواة.
إن معالجة القضية الجنوبية لا تبدأ بإجبار الجنوبيين على قبول رواية سياسية واحدة، بل بالاعتراف بتاريخهم وتجربتهم ومظالمهم وحقهم في أن يكونوا طرفًا أصيلًا في تقرير مستقبلهم. كما أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على نتائج حرب قديمة أو على فرض الأمر الواقع، بل على حوار حر يعترف بجذور الصراع وبإرادة الشعوب المعنية به.
وفقًا لنظرية ما بعد الاستعمار، لا تعمل الهيمنة بالقوة العسكرية وحدها، بل تستمر أيضًا من خلال السيطرة على الذاكرة واللغة ومفهوم الشرعية. ومن هنا، فإن استعادة الرواية الجنوبية ليست مجرد مطالبة بإعادة قراءة الماضي، بل هي استعادة للفاعلية السياسية والحق في المشاركة في صناعة المستقبل.
إن توصيف الوحدة بأنها «قهرية» يظل محل خلاف سياسي، ولذلك فإن القراءة الأكاديمية الأكثر دقة تربط هذا الوصف بما جرى بعد حرب 1994، حين انتهت الشراكة المتوازنة التي قامت عليها الوحدة، وأصبح استمرارها مرتبطًا بالتفوق العسكري ورفض مراجعة العلاقة بين الطرفين. ومن هذا المنطلق، تمثل القضية الجنوبية سؤالًا عن العدالة والذاكرة والهوية وحق شعب في التعبير عن إرادته، بقدر ما تمثل خلافًا على شكل الدولة وحدودها