فأر الرصيف وفأر السفينة..قصة قصيرة

كتب/المستشار بدر علي احمد مقبل
يُحكى أن في ليلةٍ بحريةٍ هادئة ، كانت أمواج خليج عدن تتهادى تحت ضوء قمرٍ مكتمل ، بينما كانت سفينةٌ ضخمة محملة بالمساعدات الإنسانية تقترب ببطء من الميناء.
ولم يكن أكثر المتحمسين لوصولها أحد أفراد طاقمها .. بل فأرٌ صغير، قضى رحلته كلها مختبئًا بين أكياس الدقيق وصناديق الأغذية .
كان قلبه يخفق بشدة، فقد ظل يسمع منذ صغره حكايات كانوا يرددونها أجداده عن تلك البلاد البعيدة، التي كانوا يصفونها بأنها دولةٌ لا يبيت فيها مظلوم، ولا ينجو فيها سارق، ولا يفلت فيها فاسد من العقاب.
وكان يظن أن الأرض التي سيطأها بعد قليل ما تزال كما وصفها الأجداد ، وقد اشتد به الشوق أكثر لها بعد ما سمع تكرارها من حكاياتٍ جدتة .
دولةٍ كانت تُعرف بدولة الجنوب العربي، يقولون إنها كانت دولةً اشتراكية، تُقيم العدل بين الناس، فلا يُترك فيها مظلومٌ دون إنصاف، ولا سارقٌ يعتدي على قوت الشعب إلا ويُحاسب ، ولا دجالٌ يتخذ الدين وسيلةً لتغييب العقول إلا ويُواجه بحزم.. ليس من الدولة فحسب بل وحتى من الشعب .
رست السفينة على ميناء العاصمة عدن وما إن توقفت تماما .. حتى كان فأر السفينة أول المتسللين إلى رصيف الميناء
وبين أكوام الصناديق والخردة والمخلفات المبعثرة بلا نظام ، لمح عمالاً بملابس رثة ممزقة رجالٌ بوجوه شاحبة، وأيدٍ ترتجف من الجوع .. وهي تنتظر إشارة البدء .. لنقل المساعدات وتحميلها إلى المخازن .
وقف مذهولاً، وحدق فيهم طويلًا ، وقد تملكه الحزن وهو يرى ما آلت إليه أحوال الناس ، ثم تمتم مذهولًا : إذا كان هذا حال البشر .. فكيف أصبح حال أقراني من الفئران؟
وما إن أنهى عبارته وفي تلك اللحظة مر بجواره فأرٌ ضخم الجثة ممتلئ البدن ، لامع الفرو، يكاد الشحم يعيق حركته، يركض على عجل فاصطدم به بقوة .. حتى كاد يطرحه أرضاً .
وبرغم ذالك قال فأر السفينة معتذراً:
ألا ترى يا شقيق؟
توقف الفأر الضخم فجأة، وقد لفتت انتباهه لهجة الفأر الغريبة، وقال:
يبدو أنك قدمت مع السفينة.
أجاب مبتسماً:
نعم. وهل تسمح لي أن أتعرف عليك ونتحدث قليلاً؟
قال الآخر وهو يهم بالمغادرة:
ليس الآن… ألا ترى أن المساعدات قد وصلت وأنا مشغول؟
ابتسم فأر السفينة وقال:
لا تقلق، سأدلك بعد حديثنا على مكانٍ في السفينة تستطيع أن تأكل فيه حتى التخمة.
(حينها كان فأر السفينة لا يعرف هوية فأر الرصيف فظنه من أبناء البلد، إلا أنه اكتشف ذالك لاحقًا فيما بعد عندما قال له : ” أنا نازح ثم أصبحت مستوطنًا )
توقف فأر الرصيف، ثم قال:
حسناً… سل ما شئت.
قال فأر السفينة:
هل أنت من أهل هذه البلاد؟
ضحك الآخر وقال:
لا .. أنا من دولةٍ مجاورة .. جئت نازحاً، ثم أصبحت مستوطناً.
ثم أضاف وقد لمع الطمع في عينيه:
وإذا كانت هناك وليمة كما وعدتني… فاسأل ما تشاء.
قال فأر السفينة:
لقد رأيت الناس فقراء، أنهكهم الجوع، بينما أنتم – معشر الفئران – تبدون في أفضل حال. كيف تفسر ذلك؟
تنهد فأر الرصيف وقال:
سأختصر عليك، فأنا مستعجل.
حدثنا جدي أن هذه البلاد قبل عام 1994 كانت تُحكم بنظام اشتراكي مستبد شديد الصرامة. كانت دولةً لا تتسامح مع اللصوص والفاسدين، ولا مع من يتاجرون بالدين أو يخدعون الناس باسمه .. تصور ..
لم ترحم حتى القطط السائبة، ولا الكلاب الضالة، ولا البعوض، ولا الصراصير.
أما نحن الفئران ، حدث بالا حرج .. فقد كنا نعيش مطاردين في المجاري والبيارات والجلالي، نتعرض للإبادة والتجويع حتى كدنا ننقرض.
كانوا يعتقدون أننا، نحن القوارض والحشرات، سبب الأمراض والأوبئة، ويرون أن مكافحتنا مسؤولية الدولة .. بل كانوا يوزعون على المواطنين مصائد مجانية، ويضعون فيها الطعوم للقضاء علينا.
وإذا مرض إنسان، عالجوه مجاناً، وصرفوا له الدواء بلا مقابل .. أتعلم ماذا فعلوا بذلك؟
حاربوا تجارة المرض، وأغلقوا أبواب الثراء أمام المستشفيات الخاصة وتجار الأدوية !
ثم تنفس الصعداء وقال:
لكن الحمد لله… تبدل الحال بعد حرب عام 1994.
قدمنا مع القادمين، بين الأمتعة والعفش، والبقش واستوطن كثير منا هذه البلاد.
وسقطت تلك الدولة وسقطت معها أفكارها فانتشرت المعاهد الدينية، وامتلأت المساجد بالمشايخ،وتغيرت مفاهيم الناس شيئاً فشيئاً.
أما الأغنياء ازدادوا غنى ، وأما الفقراء .. فقد ازدادوا فقراً.
لكننا نجحنا – كما كان يقول ساخرًا – في إقناع الناس أن الفقر قدر، وأن الغنى رزقٌ ينزل من السماء ، وأن من يولد فقيراً فعليه أن يصبر، فالجنة تنتظره، بينما لا يجوز له أن يحسد أصحاب الثروات أو يسأل كيف جمعوها.
ثم أردف ضاحكاً : ولم ينسنا أصحابنا أيضاً.
رفعوا القيود عن الفئران، والصراصير، والبعوض، وتركوا المجاري مفتوحة، حتى أصبحت لنا موائد عامرة، وازدهرت تجارة الدواء، وامتلأت المستشفيات الخاصة ، فعمى الخير من بعد حكامنا ..
لهذا تراني اليوم سميناً، ممتلئاً بالشحم .. فلا تصدق كل ما كان يحكيه لك أجدادك.
ساد الصمت لحظة.
ثم قال فأر السفينة متعجباً:
أتعني أن أجدادي كانوا يروون لنا خرافات؟ بينما كانوا يؤكدون أن العدالة كانت قيمةً عليا، وأن الدولة كانت تحاسب المقصر وتحمي الضعيف.
وقبل أن يتلقى جواباً…
اهتزت السفينة مع الموج، وأطلقت صفيراً معلنةً موعد الرحيل.
أسرع فأر السفينة عائداً نحوها سريعًا ليلحق بها ، لكن فأر الرصيف لحق به .. صاح غاضباً:
مهلاً .. ألم تعدني بوليمة؟
التفت إليه فأر السفينة مبتسماً وقال:
أوَلم تُلقِ عليَّ قبل قليل محاضرةً طويلة، تؤكد فيها أن الأرزاق تأتي من السماء؟
ثم قفز إلى الحبل، وصعد مسرعاً إلى السفينة، بينما أخذت تبتعد شيئاً فشيئاً عن الميناء .
ظل فأر الرصيف واقفًا يراقبها حتى غابت في الأفق .. ثم رفع رأسه إلى السماء طويلًا .. لكن السماء لم تمطر هذه المرة سوى صمتٍ ثقيل .
فأدرك متأخراً أن ” بعض الشعارات يسهل ترديدها “.. لكنها لا تُشبع جائعاً.
ملاحظة
شاكرين إعادة نشرها فاللصوص لم يكتفون في سرقة
المقالات والنصوص الأدبية والقصص والاشعار بل حتى الأطروحات العلمية واللوحات الفنية التشكيلية