اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الجنوب ليس ساحة لحروب الآخرين

علي سيقلي

منذ العام 2015، اتخذ الجنوبيون قرارهم على الأرض، ورسموا بدماء شهدائهم حدود معركتهم. لم يذهبوا إلى صنعاء، ولم يعلنوا حربًا لاحتلال الشمال، وإنما دافعوا عن أرضهم حتى استعادوا السيطرة عليها، وفصلوا واقعًا سياسيًا وعسكريًا بين الشمال والجنوب.

لذلك، فإن محاولة جر الجنوب اليوم إلى حرب جديدة مع الحوثي لا تخدم الجنوب، ولا تعبر عن أولوياته، بل تخدم مشاريع الآخرين الذين عجزوا عن حسم معركتهم طوال سنوات، ثم أرادوا أن يدفع الجنوبيون ثمن ذلك العجز.

من يرى أن معركته الحقيقية هي تحرير صنعاء، فهذا حقه، والطريق إليها معروف. فهناك جيش يتبع ما تسمى بالشرعية، ووزارة دفاع، وهيئة أركان، ومعسكرات، وتحالف يعلن منذ سنوات أن هدفه إنهاء انقلاب الحوثي. فليلتحق بهم، وليخض معركته حيث يعتقد أنها يجب أن تكون.

أما الجنوب، فقد دفع من الدماء ما يكفي، وخسر من شبابه ما يكفي، وليس مستعدًا لأن يتحول مرة أخرى إلى منصة تنطلق منها حروب الآخرين، بينما تبقى قضاياه الوطنية مؤجلة، وشعبه يرزح تحت أزمات الخدمات والاقتصاد والمعيشة.

إن الأولوية بالنسبة للجنوبيين اليوم ليست فتح جبهات جديدة، بل تثبيت الأمن، وبناء المؤسسات، وحماية الأرض، وتحسين حياة المواطنين، واستكمال مشروعهم السياسي الذي يرونه معبرًا عن تطلعاتهم.

ولا يعني ذلك مهادنة الحوثي أو الثقة به، فلكل طرف حساباته ومواقفه. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين حماية حدودك والدفاع عن أرضك إذا تعرضت للخطر، وبين الذهاب طوعًا لفتح حرب جديدة لا تخدم مصالحك المباشرة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب التي تُخاض بالنيابة لا تنتهي بانتصار من يقاتل فيها، بل بانتصار من خطط لها. أما من يدفع الثمن فهم البسطاء الذين يخسرون أبناءهم وأرزاقهم ومستقبلهم.

ولهذا، فإن الرسالة ينبغي أن تكون واضحة: الجنوب لا يبحث عن حرب، لكنه لن يتردد في الدفاع عن أرضه إذا فُرضت عليه. أما معارك الآخرين، فليخضها أصحابها، وليتحملوا مسؤولية نتائجها.

فالجنوب اليوم يريد السلام على أرضه، والاستقرار لشعبه، ولا يرغب في فتح جبهة مع أي طرف ما لم تُفرض عليه. وهذه ليست دعوة إلى الضعف، بل تعبير عن إدراكٍ بأن الأوطان تُبنى بالحكمة بقدر ما تُحمى بالقوة.

زر الذهاب إلى الأعلى