االجنوب إرادة صلبة وشعب جبار

د. عادل النمري
ليست قضية الجنوب العربي وليدة لحظة سياسية عابرة، ولا نتاج انفعال جماهيري طارئ؛ بل هي مسار نضالي طويل، تشكّل عبر عقود من التجربة المريرة، والصراع المفتوح مع واقع سياسي أثبت فشله أخلاقيًّا وقانونيًّا ووطنيًّا.
منذ حرب صيف 1994، وما ترتب عليها من إقصاء ممنهج، وتهميش شامل، ونهب منظم لمقدرات دولة الجنوب السابقة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، أدرك الجنوبيون أن عقد الوحدة الذي أُبرم عام 1990م قد فقد مضمونه، وانتهى عمليًّا بعد ثلاث سنوات فقط، حين تحوّل من مشروع شراكة إلى واقع ضم وإلحاق بالقوة، ألغى الدولة، وصادر القرار، وأقصى الإنسان.
ورغم القهر، لم يلجأ الشعب الجنوبي إلى العنف؛ بل اختار الطريق الأصعب والأكثر شرفًا، وهو طريق النضال السلمي.
خرجت المظاهرات في كل مدن الجنوب، وواجه المتظاهرون أجهزة الأمن المركزي بصدور عارية، وسقط الشهداء تباعًا، ومع كل شهيد كانت تتجذر القناعة بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة الشعوب وصبرها.
وحين اجتاح تحالف الحوثي وصالح الجنوب في 2015م، وتهاوت مؤسسات ما يُسمى بالشرعية، وغادر مسؤولوها المشهد، بقي الجنوبيون وحدهم في الميدان. دافعوا عن عدن، وعن بقية مدن الجنوب، بما توافر لديهم من إمكانات محدودة، وبعقيدة صلبة، وتلاحم شعبي نادر، وبمساندة عاصفة الحزم. لم يكن ذلك دفاعًا عن الجنوب فحسب؛ بل عن الأمن الإقليمي برمته، في مواجهة مشروع إيراني توسعي واضح.
وخلال السنوات اللاحقة، عبّر الشعب الجنوبي عن إرادته بوسائل سلمية وحضارية، عبر مليونيات غير مسبوقة، فوّض من خلالها المجلس الانتقالي الجنوبي ليكون حاملًا سياسيًا لقضيته، بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي. ولم تكن تلك المليونيات استعراضًا عاطفيًا؛ بل تفويضًا شعبيًّا واضحًا، لا لبس فيه ولا وصاية عليه.
إلا أن المشهد انقلب بصورة مفاجئة؛ فبدل أن يُكافأ الجنوبيون على دورهم في حماية المنطقة، وجدوا أنفسهم هدفًا للقصف، ومحاولات الإقصاء السياسي، وتصفية القيادات، وفرض حلول تتناقض مع إرادتهم المعلنة. وجاءت قرارات سياسية صادمة، ومحاولات لفرض ما سُمّي بـ(الحوار الجنوبي) من خارج الجنوب، وبإرادة لا تعكس مزاج الشارع ولا تاريخه ولا تضحياته.
لكن الرد الجنوبي لم يكن فوضويًّا ولا عنيفًا؛ بل جاء حضاريًّا وسلميًّا؛ ثلاث مليونيات متتالية، خرجت طواعية، وبزخم غير مسبوق:-
– مليونية رفض القصف واستهداف القوات- الجنوبية.
– مليونية التصالح والتسامح في 13 يناير.
– مليونية التأييد للإعلان الدستوري، ورفض احتجاز الوفد الجنوبي في الرياض، والتأكيد على حق تقرير المصير.
هذا الحضور الجماهيري الكاسح أربك المشهد الإقليمي، وأعاد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن تجاهل إرادة شعب بأكمله؟
وقد جاء تصريح مندوب مجلس الأمن ليؤكد حقيقة سياسية لا تقبل الجدل:
لا يمكن فرض الوحدة بالقوة، والحل يجب أن يكون سياسيًا.
ومن هنا لا بد من رفع ثلاث رسائل من الجنوب الأبي:
الرسالة الأولى: إلى المملكة العربية السعودية:
إن الجنوب لم يكن يومًا خصمًا للمملكة؛ بل كان حليفًا صادقًا، وسدًا منيعًا لأمنها القومي. ومن الحكمة ألا تُزج المملكة في صراع مع شعب وقف معها في أحلك الظروف؛ لأن احترام إرادة الجنوبيين، والوقوف إلى جانب حقهم في تقرير مصيرهم، ليس تهديدًا للاستقرار؛ بل هو الطريق الأقصر له.
فالشعوب لا تُقهر، ومن يصغي لصوت العقل يكسب الشعب الجنوبي بأكمله، ويضمن حليفًا قويًا في المستقبل.
الرسالة الثانية: إلى رشاد العليمي ومن يشاركه نهج الإنكار:
التدليس السياسي، وتشويه الحقائق، ووصم الجنوبيين بالإرهاب، استعداء العالم للجنوبين لن يغيّر من جوهر القضية شيئًا. فالقضية الجنوبية واضحة، وعادلة، ومسنودة بإرادة شعبية صلبة، وحبل الكذب، مهما طال، يظل قصيرًا، والتاريخ لا يرحم من يقف ضد إرادة الشعوب.
الرسالة الثالثة:
إلى جماهير الشعب الجنوبي:
إن سلميتكم هي قوتكم، ووحدتكم هي سلاحكم الأقوى. فعليكم الاستمرار في الزخم، والتمسك بالقضية بعدالة، وبخطاب حضاري، هو ما يجعل العالم ينصت ويحترم. فالحق غالب، مهما طال الزمن، ومهما تعددت محاولات الالتفاف عليه.
وفي الختام أن الوقوف ضد إرادة الشعوب قد يؤجل الحقيقة، لكنه لا يلغيها، والتاريخ، في كل تجاربه، أثبت أن الشعوب التي تعرف ماذا تريد، وتدافع عنه بوعي وسلمية، لا بد أن تنتصر، طال الزمن أو قصر.
والجنوب اليوم لا يطلب المستحيل؛ بل يطالب بحقه المشروع في الحرية، والكرامة، وإقامة دولته، على أرضه، وبإرادته، وبسلام.
فهل يستحق هذا الشعب حريته واستقلاله؟! أعقلوها يا يا أهل العقال!!!
الجمعة 16/01/2026م
د. عادل النمري