كتابات

انقطاع النت !!

أ. مارسيل فضل

تباينت العقليات الإنسانية في التعامل مع هذه الرزية التقنية التي نزلت بساحتهم في حين حافظ البعض على رباطة الجأش النفسي ووظف المشكلة لخدمة غاياته النبيلة، في حين استسلم الفريق الآخر لمطارق الحزن وشرق في فلك الانغلاق التفكيري وجلس يبيع الوهم على رصيف العجز السلبي.

وهذه بعض المشاهد التي التقطتها عدسات التصوير النقدي لتعامل العقليات مع انقطاع شريان البث الرقمي:

بعض الناس قد تأثر سلباً بتلك المصيبة التي أرقت مضجعه التفكيري وأصيب عقله بالسهاد وصار كالملهوف يتخبط في دهاليز الحيرة فتارة يداعب المودم بأنامل التوسل ويعيد وصل أسلاك أفكاه طمعاً في أن تدب إشارة الاتصال العاطفي، وتارة يجلس بقرب النافذة أملاً في أن يلتقط جواله إشارة الوميض اللاسلكي، وعندما غلب على ظنه بأن ملف التواصل الاجتماعي قد أغلق بشمع الخلل الأحمر؛ أصيب بنوبة هيستيرية دخل على إثرها في دوامة التأزم النفسي فلطم خد الأسى، وشق جيب الحزن وكأن السماء قد أطبقت عليه وغرق واقعه السلبي في لجج الانقطاع المر لتيار كان يمده بما يلزم من أدوات الاستمرارية، فظل يمسك بهاتفه في انتظار أن تداعب إشارة النت شاشة جواله وتتدفق عليه رسائل الإنقاذ النفسي ليعيد إليه توازنه ويرسم ابتسامة الفرح على محياه المنكسر.

فريق آخر تربى في محاضن التقدير المهني للوسائل فأدرك البعد الوظيفي لتلك الخدمة الرقمية فتعامل بعقلانية مع تلك الرزية، ولم يسمح لها بأن تعبث بمنظومة توازنه، ولم يطلق العنان لحزنه كي يخيم على تفكيره، ويسهم في تكدير عيشه، وعلى الفور تذكر بأن أهدافه الاستراتيجية لا زالت قيد الانتظار على رف التخطيط الفكري وأن الانغماس في مياه التواصل غير المنضبط أخره عن امتطاء جياد الإنجاز النوعي؛ فرمى بجواله؛ وتمكن بقوة إرادته وعزيمته وبعقليته الطموحة من تحقيق تلك الأهداف المخطط لها في روزنامة التأهيل والتدريب الذاتي.

وعندما عادت شبكة النت لتنبص بالحياة من جديد خرج الفريق الذي تعامل بغباء من مضمار الاستثمار الوظيفي بخفي حنين ولم يستثمر ذلك الفراغ لصالح طموحه المشروع ولم يتقدم خطوة في سلم الحضور الإنساني.

بينما الفريق الآخر فقد تمكن من إدارة وقت الفراغ باحترافية وشغل رأس ماله الوقتي بالمفيد النافع فرفع أسهم إنجازه في بورصة التنافس العلمي والمعرفي والفكري.

على المستوى الشخصي خلال فترة انقطاع النت شرعت بكتابة بحث من بحوث الترقية وأكملت ما يقرب من 80 ٪ منه ولم يبق إلا القليل منه ليداعب عقول القراء ويزين رفوف المكتبة المعرفية.

ماذا عنك أخبرني عن إنجازك الذي حققته وكيف استفدت من ذلك الفراغ الذهبي الذي نزل بساحتك الفكرية والمعنوية؟

إغلاق
إغلاق