اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#حين تتحول الحرب إلى صفقة والدم إلى ورقة تفاوض

دكتور/مساعد الحريري

السلام الذي يُطرح اليوم ليس وليد قوة، بل نتيجة عجزٍ عسكري تراكم لعشر سنوات. السعودية التي دخلت الحرب وهي تقود تحالفًا عريضًا تحت شعار استعادة الدولة، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف تمامًا: حرب استنزاف طويلة، خصم لم يسقط، وتهديد وصل إلى عمقها الاستراتيجي. من صواريخ استهدفت جدة، إلى طائرات مسيّرة هددت منشآت حيوية، كان واضحًا أن المعركة لم تُحسم، وأن ميزان الردع لم يكن كما صُوّر في البداية.

نعم، السعودية تحملت الكثير—دعمت، موّلت، واستضافت ملايين اليمنيين—لكن في المقابل، ماذا كانت النتيجة العسكرية؟ هنا تبدأ الحقيقة المؤلمة.

الجبهات لم تسقط دائمًا بالقوة، بل سقطت في كثير من الأحيان بقرارات غامضة، وانسحابات غير مفهومة، وتسليم مناطق بكامل عتادها العسكري. وهذا في علم الحرب لا يُسمى هزيمة ميدانية فقط، بل خللًا في بنية القرار العسكري والسياسي.

كيف يمكن لقوة مدعومة بتحالف إقليمي أن تفقد زمام المبادرة؟
الإجابة واضحة: حين يتعدد صانع القرار، وتضيع الأهداف، تتحول الجيوش إلى أدوات متفرقة، لا إلى قوة ضاربة موحدة.

الشرعية—التي يفترض أنها رأس الحربة—تحولت في نظر كثيرين إلى كيان بلا تأثير حقيقي على الأرض. قيادات خارج الميدان، قرارات بعيدة عن الجبهات، وواقع ميداني يُدار بعشوائية أو وفق حسابات غير وطنية. وفي المقابل، استطاع الحوثي أن يستفيد من هذا التشتت، فثبّت أقدامه، وأدار معركته بنَفَس طويل، مستفيدًا من كل خطأ ارتُكب ضده.

أما الجنوب، فقصته أكثر تعقيدًا وخطورة. لم يعد مجرد ساحة مواجهة، بل أصبح ميدانًا لإعادة تشكيل النفوذ. تعدد القوى، تضارب المشاريع، وغياب الرؤية الموحدة جعل منه منطقة مفتوحة لكل الاحتمالات. وفي التحليل العسكري، هذه الحالة تُعتبر أخطر من الهزيمة نفسها، لأنها تعني فقدان السيطرة على الاتجاه العام للصراع.

ما يحدث اليوم ليس “سلامًا” بالمعنى الحقيقي، بل إعادة ترتيب أوراق.
السعودية تبحث عن مخرج آمن، الحوثي يسعى لتكريس نفسه كأمر واقع، وبقية الأطراف تتخبط بين الولاءات والضغوط. النتيجة؟ لا منتصر حقيقي… بل واقع هش قابل للانفجار في أي لحظة.

الخلاصة التي يجب أن تُقال بوضوح:
الحرب لم تُخسر فقط في الجبهات، بل خُسرت حين غابت الاستراتيجية، وتفكك القرار، وتحولت المعركة من مشروع وطني إلى صراع مصالح.

وإن لم يُعاد بناء الموقف على أساس واضح—قرار مستقل، هدف محدد، وقيادة حقيقية—فإن ما تبقى لن يكون سوى جولات جديدة من نفس الحرب… ولكن بثمنٍ أكبر.

زر الذهاب إلى الأعلى