بدأت بمزحة عن القبلة.. وانتهت باعتراف لم يكن في الحسبان

يومًا ما كنتُ جالسًا أنا وعمي “عبدالرقيب الهدياني” بالضالع في مجلس منزلنا، وكانت حينها الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر حيث هذا التوقيت عادةً هو بداية جلسة القات، وعمي بداية “التخزينة” يحب الاستماع للأغاني، بالذات أغاني أيوب طارش وحسين محب.
تلك الفترات لم أكن أدخل مع عمي بنقاشات سياسية لأني أصلًا لم أكن أطيق الحديث بأمور السياسة، بل كانت أغلب نقاشاتنا أدبية وفنية، فعمي إلى جانب السياسة قارىٌ ذكي ومولعٌ بالأدب والتاريخ والفلسفة.
فجأة دخل علينا شاب من أصدقاء عمي، هذا الشاب تعود أصوله إلى الشمال، سلّم علينا وجلس مجلسنا، رحّبنا به وتبادلنا بعض الأحاديث الشخصية كالسؤال عن الحال، والاسم، والمؤهل الدراسي، ثم انتقلنا إلى موضوع الفن انسجامًا مع الأغاني التي يستمع لها عمي في اللحظة، ثم انتقلنا إلى الشعر، ثم الأدب بشكل أوسع، ثم التاريخ والفلسفة.
لكلٍ منّا مستوى ثقافي، نتفق في أشياء كثيرة، ونختلف فيما ندر بخصوص أشياء قليلة معيّنة.
أذّن العصر، قمنا صلّينا جماعة ثم عدنا لجلستنا، فقال صديق عمي ممازحًا: شفت كيف يا صقر، حتى اتجاه القبلة شمال، وتشتوا تنفصلوا؟
ضحكتُ ورددتُ ممازحًا: لا تستفزونا حرام ما نصلي ركعة ما دامكم تتخذوا اتجاه القبلة ذريعة لبقاء الوحدة.
فضحكنا الثلاثة ومنها دخلنا النقاش في أمور السياسة… لا أخفيكم، تسيّد عمّي الجلسة كونه أكبرنا عمرًا وأكثرنا إحاطة، فأخذ يفصّل ويحلل سياسات دول القرار بخصوص الملف اليمني شمالًا وجنوبًا، وعلى سبيل ذكر المجلس الانتقالي كونه المكوّن السياسي الأكبر في الجنوب حاملًا القضية الجنوبية في الداخل والخارج، قال صديق عمي: عيدروس الزبيدي عاده بعييييييد ولا بيجي الجنوب على خمسين سنة على الأقل.
قلت له: قصدك الزبيدي فاشل؟
قال: مش كذا… خلي عمك يشرح لك قده داري.
التفتُ ناحية عمي فإذا هو ينظر عبر الباب إلى الخارج، فتنهد بثقلٍ وقال: عيدروس الزبيدي صادقٌ في سياسته، خطواته واضحة، تصريحاته تخلو من المغالطات، والسياسة كي تنجح تحتاج إلى مكر وخديعة ومغالطات.
استوقفتني كلمات عمي، لكن صاحبه كسر وقار الصمت قائلًا: يا رجال عيدروس أكبر كذاب وتافه وغبي قال صادق قال.
فالتفتُ نحوه ودمي يغلي في أقصى مستوياته، استأتُ جدًّا وصابني حنقٌ شديد، كيف ينفعل هكذا بغتة وتزل لسانه بكلمات الازدراء وهو الذي ظل طوال الجلسة وقورًا مثقفًا يناقش بهدوءٍ ويبرهن بحججٍ مقنعة؟
لولا أنه في منزلنا وخفتُ أن أرد عليه بسوءٍ فيقال عنّي اسأتُ لضيفٍ بمجلسي، وبينما أمسكُ أعصابي وأتمالكُ حنقي، قال عمي له: ليش يا صاحبي؟
فرد صاحبه باستشاطةٍ وصبيانية منفلتة حيث بدا شخصًا آخر غير ذاك المثقف الهادئ صاحب الوعي المحاجج الذي ألفته منذ بداية الجلسة.
ظلّا يتناقشان هو وعمي، تارة يتفقان وتارة يختلفان، غير أنَّ الفارق في الأسلوب، عمي يناقش بهدوء وابتسامة مهذبة ونبرة ناضجة، بينما هو مندفعٌ بعنفوان الشباب وارتباك المنطق، أمّا أنا التزمتُ الصمت وحافظتُ على شرف المجالس لئلا أجرحه وهو ضيفي.
تلكَ كانت أول مرة أسمع عمي يناقش حول شخصية “عيدروس الزبيدي”، صدمني موقفه إذ كنتُ أظنه من الذين لا يطيقون شخصية الزبيدي، وكان اعتقادي أنه إذا ناقشته عن عيدروس الزبيدي فستكون له ردة فعل صاحبه المتعصب، كنتُ أتخيل صوت عمي وهو يصف عيدروس بكلمات العداونية المقيتة ويطعن في شخصيته بأسلوب الفجور والمقزز، لكن موقفه كان معتدلًا وأصابني بالدهشة، ففي بعض نقاط يدافع عنه بطريقة المحايد، وبعض نقاط يتفق خلالها مع صديقه بطريقة المحايد أيضًا.
استمر صاحبه يسفّه مشروع عيدروس وسياسته وينتقص من شخصيته بفجورٍ واضحٍ وصريح، لكنّي تفاديتُ الموقف وهدأتُ من غضبي على الرغم أن صاحبه ما زال مندفعًا بظغينة تستهدف شخصية الزبيدي دون حدود، فرددتُ في نفسي بيت المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ
فهي الشهادةُ لي بأنّي كاملُ.
وبينما يحتدم النقاش بينهما، وتنبلجُ على شفتي ابتسامة الثقة؛ فجّر عمّي كلمته الحبيسة في أغواره والتي ظل يحتفظ بها في نفسه ويكابر لأجل مشروعه. قال: الصدق يا جماعة والله أنَّ عيدروس رجل شهم، نختلف معه نعم ونتمنى عدم التوفيق له، لكن الزبيدي عظيم كشخص، ووضوحه مع شعبه أهم من المغالطات لأجل الصراع الحاصل بين السعودية والإمارات.
دوّت كلمات عمّي كأنها قنبلة، صُعِقتُ وذرعتْ جلدي قشعريرة كثيفة، لم أكن أتوقع أنَّ عمّي سيقرُّ بهذا الأمر أمام أحد، عمي الذي عندما اقرأ منشوراته وأشاهد مقابلات تلفزيونية له أستحيل في نفسي أن يكون له موقفٌ إيجابي حتى بحق القضية الجنوبي بكلها!
فجور صاحبه في الخصومة وازدراء شخصية الزبيدي هو ما استفز عمي ودفعه للمكاشفة الصريحة علنًا رغم جذرية الخلاف السياسي.
صاحبه أيضًا صُدم، وظل يقول لعمي: مالك يا عبدالرقيب؟ إيش صار لك؟ مسرع غيّرت رأيك؟
فرد عمّي: أي والله يا الزبيدي ما يلاقي الجنوبيين مثله، حتى الكاريزما حقه استثنائية مقارنة بالرؤوساء اليمنيين، قامة ومهابة متميزة.
عندها أدركتُ أنَّ جل ما يقوله عمي في منصات التواصل الاجتماعي هو نتاج انتماء سياسي يكرز على التعبئة المباشرة لسوداوية الأحقاد، لذل فمن الطبيعي أن يحاولوا النيل من شخصية عيدروس بصدد رفضهم الجذري لمشروع فك الارتباط، أما الحقيقة الخفيّة في نفوسهم فهي يقينهم أن الزبيدي قائد عظيم لا يتكرر في ذاكرة المشهد الجنوبي.
#صقر الهدياني