اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

إدارة السياسة بأسلوب البلطجة

 

ياسمين الزُبيدي

ليست كل قيادة سياسية قيادة بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ فبعضها يختزل السلطة في الصوت العالي، والقرار في التهديد، والهيبة في نشر الخوف. وهنا تظهر ظاهرة خطيرة يمكن وصفها بـ”القيادة السياسية بأسلوب البلطجة”، حيث تتحول القيادة من مسؤولية أخلاقية ووطنية إلى ممارسة قسرية تفرض نفسها بالقوة لا بالشرعية.

القائد الحقيقي يُقاس بقدرته على جمع الناس حول رؤية، وعلى إدارة الاختلاف بحكمة، لكن في نمط البلطجة السياسية يصبح القائد أسيراً لمنطق السيطرة. لا يسعى إلى إقناع الناس، بل إلى إخضاعهم، ولا يبني الثقة، بل يزرع الرهبة. تُستخدم أدوات الدولة، أو النفوذ، أو حتى الخطاب الإعلامي، كوسائل ضغط لا كجسور تواصل، فيختفي صوت العقل تحت ضجيج التهديد.

هذا النمط من القيادة لا يخلق استقراراً حقيقياً، حتى وإن بدا ظاهرياً مسيطراً. فالاستقرار القائم على الخوف هشّ بطبيعته، ينهار عند أول اختبار حقيقي، لأن الناس لا يلتفون حوله عن قناعة، بل يتجنبونه بدافع الخشية. ومع مرور الوقت، تتآكل الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويتحول المجتمع إلى مساحة صامتة ظاهرياً، محتقنة في العمق.

كما أن القيادة بأسلوب البلطجة تُضعف كيان المؤسسة، إذ تُهمّش الكفاءات لصالح الولاءات، وتُستبدل المعايير المهنية بمعايير الطاعة والرضا. في بيئة كهذه، لا يترقى الأفضل، بل الأكثر خضوعاً، ولا يُكافأ الإبداع، بل يُحاصر، مما يؤدي إلى شلل تدريجي في بنية الكيان المؤسسي.

الأخطر أن هذا الأسلوب يعيد تشكيل وعي الأجيال، فيرسّخ فكرة أن القوة تعني القهر، وأن القيادة تعني الترهيب والإخضاع. وهنا يتحول الخلل من سلوك فردي إلى ثقافة عامة، يصعب اقتلاعها بسهولة.
إن استعادة المعنى الحقيقي للقيادة السياسية يبدأ بإرساء قيم المساءلة، والشفافية، واحترام الإنسان، والاعتراف بأن السلطة تكليف لا امتياز. فالقائد الذي يبني حضوره على الخوف، يخسر الناس حتى وإن صمتوا، أما الذي يبنيه على الثقة، فيكسبهم حتى وإن اختلفوا معه.
في النهاية، تبقى القيادة خياراً بين طريقين: إما أن تكون أداة لبناء الإنسان والوطن، أو وسيلة لفرض السيطرة المؤقتة التي لا تلبث أن تتلاشى. والتاريخ لا يذكر من أخافوا الناس، بقدر ما يخلد من احترموا عقولهم وصانوا كرامتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى