إطفاء شعلة عدن..قصة قصيرة من الأدب الواقعي

محمد عباس ناجي الضالعي
التحق محمد سالم في البداية كعامل متدرب في مصفاة النفط الواقعة في مدينة البريقة بعدن، سكن عند خاله شقيق أمه.. ذات يوم من نهاية شهر مارس قصد مدينة الشيخ عثمان ليرسل جزءاً من مرتبه لوالده، بعد أن أنجز مهمته صعد على سيارة أجرة عائداً إلى مدينة البريقة، طلب سائق السيارة من الركاب أجرة سيارته، مد محمد يده في جيب قميصه ليدفع أجرة السيارة، تفاجأ أن جيبه خال من النقود، حاول البحث عنها في أعلى مئزره، لم يجدها، هنا أدرك أن نقوده سُرقت أو فُقدت، وجد نفسه في موقف محرج، تحدث إلى السائق:
_ معذرة يا سائق.
_ نعم.
_ يبدو أن النقود سُرقت مني، سأدفع لك عندما نصل إلى البريقة.
_ يا حبيبي هذه الأسطوانة شبعنا منها، قالها قبلك أشخاص كثيرون.
_ ماذا تقصد؟
_ إذا ليس لديك أجرة ركوبك انزل من السيارة.
وهو يهيئ نفسه للترجل من السيارة، صدح صوت نسائي من مقدمتها، قال:
_ يا أخ ابقَ في مكانك.. يا سائق.
_ نعم.
_ أنا سأدفع عنه.. تفضل.
_ لكن المبلغ يا أخت ليس مكتملاً.
_ خاف الله.. ناقص خمسة فلس فقط.
نظر محمد نحوها، شابة، وجهها فيه مسحة جمالية، قال:
_ شكراً لكِ أختي العزيزة.. إن شاء الله عندما نصل البريقة سأعيد لكِ نقودكِ.
_ لا عليك.. الناس للناس.
عند هبوط الركاب من السيارة، تحدث مع الشابة:
_ لو سمحتِ انتظري دقائق حتى آتي لكِ بنقودكِ.
_ قلتُ لك سابقاً.. الناس للناس.
_ أرجوكِ انتظري دقائق محدودة فقط.
_ يا أخي أنت معفو منها.. الله يهديك.. مع السلامة.
_ شكراً جزيلاً.
بعد فترة أُبلغ محمد أنه رُقي إلى مشرف فني، منصبه هذا يمنحه منزلا صغيراً، غمرته السعادة، وهو يسير في الشارع الذي يسكن فيه خاله أدار رأسه إلى اليمين، رأى الفتاة التي دفعت عنه أجرة السيارة، تقف على باب منزل أسرتها، بدأ يتقصى المعلومات عنها، اسمها بدرية الصالحي، تنتمي إلى أسرة فقيرة، تسديدها لأجرة السيارة عنه رغم فقرها جعل مكانتها لديه كبيرة، قرر أن يتزوج بها، شرح لخاله عنها، وافقه الرأي، بعد زواجهما سكنا المنزل الذي حصل عليه، نهاية كل شهر تدفع به زوجته لمواساة والديه، أنجبت له بنتاً، أسماها داليا، ذات مساء سألته عن أمنيته، رد عليها، أنه يسأل الله أن لا يرى شعلة المصفاة وقد توقفت عن توهجها.
تقديراً لإخلاصه في عمله، وسعيه لتطوير مستواه التعليمي تحصل على منحة دراسية خارجية لعدة سنوات، بعد عودته من دراسته عُين في مناصب صغيرة ومتوسطة، رُزق بطفلين أسماهما عمار وعمر، عُين رئيساً لأحد أقسام المصفاة الهامة، مُنح منزلا أكبر من سابقه، عاش فيه مع أسرته، أصبح هذا المنزل ملكاً له، حرص أن يتبع في تعامله مع أولاده داخل منزله الجديد أسلوباً راقياً، يعتمد على الهدوء حتى في الحديث بين أفراد الأسرة، يفرز حيزاً من وقته لمتابعة دراسة أولاده، يلقي عليهم النصائح التي ينبغي عليهم التعامل بها مع الآخرين، يقضي كثيراً من وقته في مكتبه، يقرأ في مجال مهنته ومسؤوليته كرئيس قسم، أحياناً يقرأ كتباً ومجلات سياسية وثقافية، يبادر إلى وضع مقترحات لتطوير المصفاة التي أصبح يمتلك معرفة كاملة عن كل أقسامها.. نتيجة لذلك عُين كبير مهندسي المصفاة، أصبحت مسؤولياته متعددة، انتقل للسكن في المنزل الخاص بكبير مهندسي المصفاة، عند حدوث أي خلل فيها يتوجه إليها للإشراف على إصلاحه في أي وقت، يتعامل مع مرؤوسيه الصغار والكبار بحزم واحترام، يمنحهم ما يستحقونه من المكافآت والترقيات.
إخلاصه الاستثنائي في عمله جعل قيادته تمنحه الشهادات التقديرية والأوسمة، رُقي ليكون المدير التنفيذي للمصفاة، أصبح الرجل الثاني فيها، انتقل للسكن في المنزل الخاص بالمدير التنفيذي، أكثر سعة وتنظيماً من سابقه، يطل على شاطئ البحر، تحيط به حديقة جميلة، يحتويها سور خشبي واسع، يوجد في المنزل طباخ ومنظفة وعامل حديقة، مختصون بخدمة من يشغل هذا المنصب، تعرف عليهم في أول يوم له في المنزل، قرر منحهم إجازة لمدة أسبوع.. ظن أفراد أسرته أن تصرفه هذا مؤقت، قبل انتهاء إجازة العمال قرر نقلهم للعمل في المستشفى التابع للمصفاة.. زوجته وأطفاله ينتظرون انتهاء الأسبوع بفارغ الصبر، سيعود العمال لخدمتهم، في اليوم الثامن تحدثت معه ابنته داليا:
_ تعرف يا أبي أيش الذي حصل؟
_ ماذا حصل.. إن شاء الله خير؟
_ الخدم لم يعودوا إلى المنزل لخدمتنا.
_ أولاً، من المعيب أن تقولي عنهم خدم، فهم موظفون مع الشركة مثلما أنا موظف معها، ثانياً، هناك من هو مستحق لخدمتهم أكثر منا.
_ من؟
_ المرضى في المستشفى، نحن منحنا الله الصحة وقادرون على خدمة أنفسنا، وثالثاً، أنا لا أحب أكل الطعام إلا من يد حبيبتي أمك، ولا أحب شرب الشاي إلا من يد ابنتي داليا، ولا أحب أن أرى أشجار الحديقة وأتمتع بمنظرها إلا عندما يعتني بها ابناي عمار وعمر.. في اعتقادي انتهينا من هذا الحديث، أتمنى عدم فتحه مرة أخرى.. مفهوم؟
_ ولكن يا أبي…
_ ولكن.. قلتُ لا أريد أن أسمع كلمة في هذا الموضوع.
ذات ليلة عاد إلى منزله مسروراً، يحمل في يده حوت سمك متوسط الحجم، طلب من زوجته طهيه سريعاً بحجة أنه جائع، يرغب في تذوقه كونه طازجاً.. اجتمع مع أسرته على المائدة، بدأ كل واحد منهم ينهش من الحوت، يطلقون ضحكاتهم بكل حرية، بغتة تحدث إليه ابنه عمار:
_ يا أبي كان أبناء وبنات المدير التنفيذي الذي قبلك يذهبون إلى مدرستهم بسيارة تابعة للشركة، أصدقائي يسألونني لماذا نحن لا نأتي بسيارة مثلهم.
رفع يده إلى خلف رأسه، حك شعره، استحضر رداً على سؤال ابنه:
_ قل لهم إن تلك السيارة صدرت أوامر من قبل المدير التنفيذي للشركة بأن تخصص لحالات الطوارئ في الشركة، كون السيارة السابقة تعطلت.
_ هه.. هه.. وهل يوجد مدير تنفيذي للشركة غيرك؟
_ كلا.
_ إذاً أنت الذي حرمتنا منها؟
_ حرمتكم منها لأنني أحبكم.
_ كيف؟
_ السير إلى المدرسة نوع من الرياضة، وهذا في مصلحتكم الصحية.. أنا نفسي لأحافظ على صحتي منذ أول يوم توظفتُ في المصفاة وحتى اليوم أذهب إلى عملي كل صباح سيراً على الأقدام.
التزم ابنه عمار الصمت، أمه أظهرت نفورها من حديث والده، نهضت من على مقعدها، طلب منها البقاء على مقعدها، جال بنظره عليها وعلى أبنائه، قال:
_ اسمعي يا زوجتي العزيزة، يا أبنائي الأعزاء، أنا على مدى خدمتي السابقة تغير عملي من وظيفة إلى أخرى بما فيها الوظيفة الحالية، لكنني لم أغير صفاتي وسلوكي كشخص اسمه محمد سالم، بقيتُ أحافظ عليهما وأعتز بهما كما أحافظ وأعتز باسمي، وأسخر جهدي وتعاملي لخدمة الوظيفة التي أشغلها، وأدرك أن كل امتياز أحصل عليه في أية وظيفة شغلتها لم يكن لي، إنما لخدمة الوظيفة التي أشغلها، وكذا يفترض أن يكون الحال لمن شغلها قبلي ومن سيشغلها بعدي، لهذا دائماً عندما كنتُ أُعين في منصب جديد أحمد الله على كرمه معي، وأقول في نفسي إن الله أراد به أن يختبرني، كيف سأتصرف بما سخره لي، فكنتُ أحرص على إنفاق امتيازات مناصبي فقط عندما تفرض ذلك المتطلبات الضرورية للمنصب الذي أشغله، ولم أستخدمها يوماً في خدمة مصالحي الشخصية، وعلى سبيل المثال لم أستخدم يوماً سيارة وظيفتي لقضاء حاجاتي الشخصية، إنما أستخدم سيارتي الخاصة.. وأود أن أخبركم بشيء لا تعلمونه، وهو أنني منذ زواجي بأجمل امرأة وهبني الله إياها، لتكون بدراً ينير طريقي، ويسدد صلاحي في خدمة والديا رحمهما الله، لم أطعمكم أو أكسُكم إلا من مرتبي الشخصي، وليس من امتيازات مناصبي، وفي بعض الحالات كنتُ ودون إرادتي أجد في جيبي مبلغاً مالياً من امتيازات مناصبي، فكنتُ أمنحه لزملائي الذين بدأت معهم مسيرة حياتي العملية، حتى لا يعتقدوا أنني نسيتهم، أو أقدمه لمن أرى أنه يستحقه..
وأنا اليوم أشغل هذا المنصب الكبير أطلب منكِ يازوجتي الفاضلة، ويا أبنائي الأفاضل، أن تتصرفوا وتعيشوا باعتباركم أسرة شخص اسمه محمد سالم، وليس أسرة المدير التنفيذي للشركة، لأنني قد أترك هذا المنصب غداً، أو بعد عام، أو بعد أربعة أعوام، ويصبح شخص آخر هو المدير التنفيذي للشركة، يسكن في هذا المنزل، ومن الطبيعي أن أعود أنا وأنتم للسكن في منزلنا الذي نملكه، وستتوقف كل الامتيازات التي أحصل عليها حالياً.. أرجو أن تكونوا قد استوعبتم الموعظة التي أردتُ إيصالها إليكم.. انصرفوا إلى غرفكم.. حفظكم الله.
بعد أن شغل محمد سالم منصب المدير التنفيذي للشركة لمدة خمس سنوات أُحيل للتقاعد، عاد ليسكن في منزله، تزوجت ابنته وابناه..
سخر كل وقته لعبادة الله.. كل يوم بعد أدائه صلاة الفجر يسير على شاطئ البحر المقابل للمصفاة، يعود إلى منزله لتناول الفطور مع أسرته.. ذات صباح وهو يسير في الشاطئ عاد إلى منزله سريعاً، طرق بابه بقوة، فتحت زوجته له، رأت الدموع تجري على خديه، سألته:
_ ماذا حدث؟
_ حدثت كارثة.
_ يا الله سترك.. ما هي؟
_ قتلوا أمنيتي.
_ أشرح لي.
_ أطفئت شعلة المصفاة.. يعني ذلك أنها أطفئت شعلة عدن المتوهجة.
_ حسبنا الله ونعم الوكيل عليهم.. إنها كارثة بحق.