30 مليار ريال.. قصة تناقض صحفي يرويها متابعوه: من “الانتقالي ينهبها” إلى “لا أعرف أين تذهب”

النقابي الجنوبي/خاص/السميفع
بين مقالين، فصل زمني لا يتجاوز الشهرين، كان كافيًا لكشف تناقض صارخ في رواية الصحفي فتحي بن لزرق حول مصير 30 مليار ريال يمني من إيرادات العاصمة عدن. فبعد أن كان الاتهام موجهًا بـ”النهب” إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، عاد بن لزرق ليسأل متسائلًا: “أين تذهب هذه الأموال الآن؟”، تاركًا متابعيه في حيرة من أمر تناقضه السريع.
اتهام الأمس: “الانتقالي ينهبها”
في تصريحات سابقة له على قناة “العربية الحدث”، وفي مقالات منشورة، كان بن لزرق يتحدث بوضوح عن “30 مليار ريال كان الانتقالي ينهبها في عدن”. ووفقًا لتحليله السابق، كانت هذه المبالغ تُقسم بين إيرادات حكومية متوقفة، وجبايات نفط ووقود، وإيرادات ميناء عدن والنقاط العسكرية.
“أكثر سؤال وُجّه لي خلال الأيام الماضية هو: أين عائدات الثلاثين مليار ريال التي كان الانتقالي ينهبها في عدن؟”، هكذا بدأ بن لزرق مقاله الأخير، معترفًا بأن السؤال نفسه الذي كان يطرحه سابقًا بات يطارده اليوم.
استفهام اليوم: “لا أعرف أين تذهب”
لكن الجديد في مقال بن لزرق الأخير لم يكن السؤال، بل الإجابة الضمنية التي حملها. فبعد أسابيع من التغييرات في عدن، خرج بن لزرق ليقول: “لم يعد بالإمكان اتهام الانتقالي بنهب الإيرادات بعد اليوم، فقد أصبح مرحلة من تاريخ اليمن انطوت”. وأضاف موضحًا أن “كثيرًا من الجبايات التي كان يفرضها المجلس سابقًا لم تعد تذهب إليه منذ أسابيع، لكنها – للأسف – ما تزال تُفرض حتى اليوم”، مطالبًا “من ورثوا تركة المجلس أن يخرجوا للناس ويوضحوا: إلى أين تذهب هذه الأموال الآن؟”.
بهذا التحول، انتقل بن لزرق من موقع “المتهم” للانتقالي، إلى موقع “السائل” عن مصير الأموال، تاركًا فراغًا كبيرًا في الرواية التي بنى عليها اتهاماته السابقة.
النشطاء يوثقون التناقض: “زي ماكنت تعرف سابقا، لازم تعرف اليوم”
لم تمر هذه القفزة في الرواية دون رصد من متابعيه، الذين سرعان ما التقطوا التناقض ووثقوه باقتباسات من أقواله هو نفسه.
رائد الكلدي السعيدي كان من أوائل الملاحظين، حيث وجه له سؤالًا مباشرًا: “هذا السؤال أنت من يجب أن يجيب عليه. فكما كنت تعرف أين كانت تذهب الثلاثون مليارًا سابقًا، من المفترض أن تعرف اليوم أين تذهب ولمن تذهب”. سؤال يلخص جوهر الأزمة: كيف كان يعرف المصير سابقًا، وأصبح يجهله اليوم؟
أما المنصوري المرفدي فاكتفى بتوثيق الدهشة من سرعة التحول: “سبحان الله العظيم! يعني في البداية كنت تقول إن الانتقالي ينهبها، والآن أصبحت لا تدري من يأخذها وإلى أين تذهب؟ “😂.
وجدي السعدي شكك في الأساس في دقة المعلومات السابقة: “أعتقد أن المبالغ التي ذكرت فيها مبالغة كبيرة”، بينما ذهب مانع مقبل راشد إلى أبعد من ذلك متهمًا إياه بـ”المراوغة والكذب”: “لقد أثبتَّ كذبك، فليس منا من هو غبي”.
توسيع دائرة الاتهام: لماذا تتحدث عن الانتقالي فقط؟
بعض النشطاء لم يكتفوا برصد التناقض، بل حاولوا توسيع دائرة النقاش لتشمل موارد أخرى يتجنب بن لزرق الحديث عنها. مشعل الانعمي كتب: “لو كنت صادقًا، لبحثت عن وجهة موارد الجنوب بشكل عام، وفي مقدمتها آبار النفط غير الرسمية التي تديرها قوى شمالية متنفذة في حضرموت وشبوة، والتي تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات.
عبدالله المقفعي تحدى بن لزرق قائلًا: “تعال معي وتشجّع واكتب عن مصافي النفط في الخشعة وحضرموت التي تُنهب منذ سنوات”. و حسين الجفري طالبه بالشجاعة نفسها التي أبداها مع الانتقالي: “كن شجاعًا ولو لمرة واحدة مع الشرعية، ووضّح الحقيقة بدون تمييع أو لف ودوران. أتمنى أن تكون شجاعًا لمرة واحدة فقط”.
بين اتهام الأمس وسؤال اليوم: أين الحقيقة؟
صلاح سيف لخص الحيرة التي تركها بن لزرق لمتابعيه: “سبحان الله! الآن أنت تسأل نفسك، أم تسأل من بالضبط؟ أنت متخبط ولا تعرف حتى كيف ترد”. و سلطان الجعفري كان أكثر قسوة: “يعني أنت كذاب من اليوم الذي حبكت فيه الخبر، وحبل الكذب قصير”.
جلال عبدالله طالبه بإجابة واضحة: “اتهمت الانتقالي قبل شهرين، والآن كما قلت لم يعد للانتقالي صلة. إذن، أخبر الناس أين تذهب هذه الأموال بلا لف أو دوران”. و هارون البكري وجه سؤالًا أكثر عمقًا: “تأكد من المصدر الذي أعطاك المعلومات التي اتهمت بها الانتقالي، حتى يخرجك من هذا السؤال المحير”.
أسئلة تنتظر إجابات
يبقى السؤال الذي طرحه بن لزرق نفسه، وأعاد النشطاء طرحه من بعده، معلقًا في الهواء بانتظار إجابة: “أين تذهب المليارات الآن؟”
إذا كان بن لزرق يعرف وجهة هذه الأموال قبل شهرين حين اتهم الانتقالي بنهبها، فلماذا لا يعرف وجهتها الآن؟ وإذا كان لا يعرف، فكيف بنى اتهاماته السابقة على معلومات لم يعد يمتلكها اليوم؟ وإذا كان يعرف، فلماذا لا يقولها بصراحة بدل طرح الأسئلة التي ينتظر من غيره الإجابة عنها؟
أسئلة مفتوحة ينتظر الجمهور إجاباتها، في قضية تتعلق بالمال العام الذي هو حق المواطن أولًا وأخيرًا.